dark_mode
  • الثلاثاء ٠٤ / أكتوبر / ٢٠٢٢
البدون في رحلة الأسر. قيد. فمؤشر. فجنسية. ظلمات بعضها فوق بعض – جاسم محمد الشمري

البدون في رحلة الأسر. قيد. فمؤشر. فجنسية. ظلمات بعضها فوق بعض – جاسم محمد الشمري


المحامي الهندال: القيد الأمني أمر طارئ على المنظومة ولا سندا قانونيا له. 
القانوني العنزي: في النظام القانوني لا وجود لشماعة القيد الأمني، إما أن تكون متهما فتحاكم ثم تعاقب أو تكون بريئا فيخلى سبيلك. 

القَيْدُ لغة وفقا لقواميس اللغة هو حَبْل ونحوُه يُجعَل في رِجل الدابة وغيرِها فيمسكها، والقَيْدُ اصطلاحا التسجيل والإثبات في ورقة أو دفتر أَو كتاب والقيد عند العرب أيضا القَدْرُ ويقال بينهما قَيْدُ رُمْحٍ أي مقدار رمح. أما القيد في الكويت فهو تهمة تلغي وجود صاحبها وترسله إلى العدم بلا حاضر يستمتع به أو مستقبل يرتجي إقباله.

وقصة القيد بدأت قبل حوالي ربع قرن حينما عمد الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع غير محددي الجنسية عمله إلى وضع قيد أمني على بعض ملفات البدون بدعوى أنهم انخرطوا في الجيش الشعبي العراقي إبان الاحتلال الغاشم أو تعاونوا مع المحتل بصورة أو بأخرى وإما أن لهم أقارب حازوا أوراقا من دول محيطة مما يعني انتماءهم إليها وانتفاء صفة عديمي الجنسية عنهم.

هذا القيد الأمني كان قوامه وسنده الشبهة فقط لتكون كافية لإرسال ملف الشخص المعني إلى خانة التجريم الفعلي ولإيقاع عقوبة عليه دون أن يأخذ حقه في محاكمة عادلة يواجه خلالها بما عليه من دلائل ليصار إلى تفنيدها والرد عليه أمام قاضيه الطبيعي والمحايد الذي إما أن يقتنع بما يدينه أو يحكم له بالبراءة مما لحق به من شبهة. وهنا أستذكر حكاية رواها لي أحد المعنيين حينما قاده قدره إلى متنفذ وعده بالسعي لتجنيسه وفق ما لديه من إثبات قديم. وحينما بدأ رحلة السعي تلك كانت إفادة اللجنة التنفيذية المعنية بالبدون أن لديه أقارب من جنسية محددة هم أعمام وأخ وأنه تبعا لذلك لا يحق له ذلك.

ويضيف: ليس لي هؤلاء الأعمام الذين قالوا وليس لي أخ مطلقا وكنت وحيدا لوالدي. ولبثت سنتين بين مراجعات في الأجهزة الأمنية لأثبت أن من نسبت إليهم لا يمتون لي بصلة وأنه مجرد تشابه أسماء لا أكثر إلا أن الوساطة التي سعت لي لم يكن مقدرا لي معاودة الاتصال بها بعد أن لحقتني شبهة أني مدع كاذب أو مزور لا يحق له المواطنة. ويضيف ضاحكا: حينما أزلت هذه القيود من ملفي لم ترتض اللجنة ذلك فبحثت حثيثا لتجد أن أحد أبناء عمومتي مواطنا خليجيا وعليه تم نسبتي إليه وهو ما لا أستطيع نفيه كما أني لا أستطيع استخراج وثيقة مماثلة له لأن ذلك غير متاح لي في هذا البلد الخليجي بحسب الأنظمة المتبعة فيه. وعليه فإني الآن خليجي في الكويت وكويتي في الخليج مواصلا ضحكا قوامه شر البلية.

ومثل حالة صاحبي آلاف وجدوا أنفسهم أسيري قيود إما وهمية وإما أنها لا تعنيهم مباشرة من مدخل أن كل شاة معلقة بعرقوبها على ما تقول العرب وعلى ما يقرر ديننا الحنيف من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى. إلا أن كل ذلك لم يكن ليشفع لهم عند سلطة لا تبحث عن معالجات بقدر ما تبحث عما يدينهم وصولا إلى إقصائهم عن حلم المواطنة أو تعقيد طريقهم الموصل إليها. 

المحامي أحمد الهندال في رد له على سؤال مفاده ما إذا كان هناك تعريف واضح ومحدد للقيد الأمني قال إن القانون سواء فقهاً أو قضاء لم يعرف ماهية القيد القانوني من ناحية تعريف قانوني مشتمل لأركانه مضيفا أن القيد الأمني أمر طارئ على المنظومة القضائية، ووجد لحاجة أمنية بعيدة عن القانون والقضاء وأخذ صبغة أعمال السيادة طوال عقود ومعها امتنع القضاء عن نظر مثل تلك القيود بحجة عدم اختصاص المحاكم ولائياً بنظرها مستدركا أن المحاكم تراجعت عن القيود الأمنية إلا التي تعتبرها متصلة بالسياسة العليا للدولة أو باعتبارها سلطة حكم سياسية كوضع قيد على المنضمين للجيش الشعبي، أما بقية القيود الأخرى فهي لا قانونية لها وخاضعة لرقابة القضاء.

وفي رد على قانونية وضع القيود الأمنية على الأفراد يقول الهندال إنه أمر لا سندا قانونيا له أو نصا يتيح للحكومة أو الإدارة وضعه على الأفراد وإنما أصبح إجراء غير منصوص عليه اكتسب وجوده من ربطه بأعمال السيادة وهو ربط في غير محله.

الهندال وفي معرض الإجابة عن الإجراءات القانونية الواجب اتباعها للتعامل مع هكذا وضع يجيب إن لمن وضع عليه قيد أمني الحق في أن يتظلم أمام الجهة التي وضعت له ذلك خلال المواعيد القانونية للتظلم وأن يقوم بتسجيل دعوى لرفع القيد الأمني كونه وضع دون محل قانوني سليم حاملاً في طيه انحراف عن الشرعية القانونية.

وما إذا كان للسلطة الحق قانونا في نسبة الشخص إلى جنسية محددة يقول الهندال إنه لا يمكن لأي شخص أو جهة أن تضع معلومات غير صحيحة أو دقيقة لأي فرد كان دون مسوغ قانوني لمجرد ربطه بآخرين، إلا أن مرسوم إنشاء الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية أعطى صلاحيات واسعة للجهاز في -المفترض- المعالجة إلا أن نسب الأفراد إلى غير حقيقتهم يعد في طياته مخالفةً للواقع، ولكن هذه الصلاحية استمدها الجهاز من الصلاحيات الواسعة التي منحت له دون مسوغ قانوني آخر وجعل هذه الإجراءات كقواعد قانونية لا وجه للطعن بها، وهو ما يعني أن المنظومة القانونية في الكويت وقفت عاجزة عن معالجة وضع جهاز معالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية إلا أنه قولاً واحدًا لا يوجد قانون يمنح الحق لجهة ما أن تضع شخصاً ما من حيث الانتماء والأوراق الثبوتية تابع لآخر غير أصوله فقط.

ويضيف بالقول: أما اعتبار المؤشر الذي تضعه اللجنة أو السلطة هو معالجة لقضية البدون فهو بلا شك بعيد كل البعد عن المعالجة بل هو أقرب أن يكون تعقيد للمسألة وخاصة أن تلك المؤشرات غير خاضعة لقواعد قانونية سليمة بل خاضعة لمزاجية العاملين على هذا الملف، ومادامت المزاجية هي التي تحكم أي عمل فهي بالتأكيد ليست معالجة بل رغبات، والرغبات لا يمكن أن تكون عملاً حقيقياً ينتج آثارا صحيحة.

الباحث القانوني علي العنزي يقول إن القيود الأمنية باتت توضع من قبل الجهات الحكومية تعطيلاً لمعاملات مواطنين ومقيمين نظراً لوضعهم تحت الرقابة الأمنية خاصة وأن تلك القيود الأمنية التي قد تحددها جهة معينة من تلقاء نفسها دون الرجوع إلى القضاء وبذلك تخالف مضامين الدستور الكويتي الذي يؤكد أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون.

ويضيف: إذا بحثنا في النظام القانوني لن نجد شماعة القيد الأمني لأن القانون واضح وصريح فإما أن تكون متهما تحاكم ثم تعاقب أو تكون بريئا فيخلى سبيلك وهنا يتأصل النظام الدستوري، ناهيك عن خلو القوانين من تلك العقوبة الوهمية ومعناها أو تكييفها القانوني ولم يحدد أي نص وجودها في الدول التي تلتزم بالدستور والقانون.

العنزي يردف أن القضاء الكويتي أثبت انتصاره للحق في هذا الإطار حيث قضت محكمة الاستئناف في أحد أحكامها برفع القيد الأمني عن أحد الأفراد البدون وأسرته لتجديد بطاقتهم وألغت حكم أول درجة القاضي برفض الدعوى مما يعد استدلالا بعدم تيقن المحكمة من وجوب وضع القيد الأمني على فرد وأسرته بلا دليل.

ويستعرض العنزي الواقعة بأنها تتلخص في أن المدعي، وهو من فئة غير محددي الجنسية، وفي أثناء تقديمه طلب تجديد بطاقته الأمنية الخاصة بفئة البدون إلى الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيميين بصورة غير قانونية، فوجئ بوجود قيد أمني عليه ومؤشر بأنه يحمل الجنسية العراقية، حيث ادعى الجهاز المركزي بأن هذا الشخص من أصول عراقية وأنه مسجل في سجل النفوس العراقي، مما يعني أنه معلوم الجنسية وعليه فإنه لا يستحق البطاقة الامنية الممنوحة لفئة البدون، وتم سحب البطاقة منه ومن جميع أفراد أسرته ما دفعه لإقامة دعواه، وفي الجلسة الأولى للمحكمة طالب المدعي برفع القيد الأمني عنه، وتجديد بطاقته الأمنية وأفراد أسرته، وبين في صحيفة الدعوى أنه من المسجلين في إحصاء عام 65، وأنه تزوج في دولة الكويت، وجميع أبنائه من مواليد الكويت، وصدرت له بطاقة مراجعة بفئة البدون بناء عليه، حيث أن جميع أفراد أسرته مضافون إلى بطاقته الأمنية، ولكن المحكمة رفضت الدعوى موضوعا لعدم استيفائها الشروط، وقام المدعي بالاستئناف معترضا على الحكم، وحضر مع المدعي محاميه الذي استهل دفاعه أن هناك قصور في الاستدلال حيث أن موكله من المسجلين في إحصاء اعوام 85،70،65 وتم عقد قرانه على أرض الكويت، وجميع أبنائه من مواليد دولة الكويت، وبالتالي فهم جميعا من فئة غير محددي الجنسية.

وأشار المحامي إلى أن الجهاز المركزي تقدم بصورة ضوئية من ورقة غير رسمية تدعي أن موكله مسجل في سجل النفوس العراقي، وهي لا تحمل أي توقيعات أو تصديقات من جهة داخلية أو خارجية، ولا يوجد عليها تصديق من وزارة الخارجية الكويتية، وعليه فانها لا تعتبر ورقة رسمية يمكن الاستناد عليها في ادعاء الجهاز المركزي، وهو ما اعترض عليه موكله، إلا أن محكمة أول درجة لم تلتفت إلى إنكار موكله، وختم المحامي مطالبا المحكمة بالقضاء لصالح موكله بإلغاء الحكم المستأنف ورفع القيد الأمني عن المدعي لمباشرة إجراءات تجديد بطاقته الأمنية وأفراد أسرته.

العنزي يتابع أن محكمة الاستئناف قضت بإلغاء حكم المحكمة الكلية والقضاء لصالح البدون بإلغاء الحكم المطعون فيه وما يترتب عليه من آثار.

ويردف العنزي مستشهدا بأن بيانا صدر عن جمعية المحامين الكويتية تساءلت فيه ما إذا أصبحت القيود الأمنية سيفاً على رقاب الكفاءات في الدولة. مضيفا أن الجمعية كانت تستعرض تصريحا صادرا عن مصدر قضائي رفيع المستوى تناقلته الصحف آنذاك حول كيفية اختيار وكلاء النيابة، وفيه أكد أنها لا تعتمد على الاختبارات الشفهية والتحريرية، وأن هناك أموراً يجهلها البعض، وأن كلّ من يتقدم لهذه الوظيفة الحساسة يتم عمل تحريات عنه بشكل سري، وأن البحث يتطرّق كذلك إلى مسألة ما إذا كانت هناك قيود أمنية قد وضعت له أو أنه ارتكب أي قضايا مخالفة للقانون من عدمه وفي البيان يضيف العنزي أن الجمعية أعربت بوضوح لا يحمل الريب أو المداهنة لأية جهة من جهات الدولة موقفها الواضح والصريح مما يُسمى بالقيود الأمنية؛ التي لا تعدو كونها نهجاً مُبتدعاً، ومظهراً من مظاهر الدولة الرجعية، التي تتخذ من هذا المصطلحات الفضفاضة مدخلاً لإقصاء من تشاء، وتهميش من تريد من أبناء هذا الوطن، وهو ما يتنافى – وبحق - مع مواد الدستور والقانون، التي تؤكد أنه لا جريمة إلا بنص، ولا عقاب إلا بحكم قضائي. 

وعود على بدء إذ تجاوز الأمر الآن مسألة القيد الأمني وأصبح نسبة الشخص إلى بلد بعينه دونما إثبات معتبر هو السائد بمعزل عن حكم القانون أو مراجعة القضاء الذي يطالب به المتضررون كثيرا دون أن يلتفت أحد لمطالبهم تلك. 

القيد كبل أحلاما وأسر طموحات ودمر طاقات وحال السؤال: متى يخلع عن البدون قيدهم؟ والإجابة لا تحتمل إلا خيارا وحيدا مفاده أن: العلم غيب وبيد المولى انكشافه.
 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد