dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
جيل ما بعد وثيقة التضييق على البدون يصرخ يأسا: لا تقتلوا الأمل، لا تقتلوا الحلم - جاسم محمد الشمري

جيل ما بعد وثيقة التضييق على البدون يصرخ يأسا: لا تقتلوا الأمل، لا تقتلوا الحلم - جاسم محمد الشمري

  ·       البدون ما قبل وثيقة التضييق ليس هو ما بعدها، ثلاثة عقود خلقت جيلا محطما من الداخل.

  ·       خلف: هذا الجيل تعب وغير راغب بممارسة الحلم أصلا.

  ·       عبد الله: هذا الجيل وصل إلى الدرجة التي لا يحق له فيها بحلم المواطنة.

لم ينقض العام 1986 إلا وحمل معه تحولا جذريا تجاه قضية البدون التي لم تكن لتولد لو أن السلطة لم تعمد إلى إغلاق لجان التجنيس قبل ذلك التاريخ بعشرين عاما وتركت الآلاف من الأفراد أسرى حلم مواطنة لم تكتمل قانونا وإن كانت مكتملة اجتماعيا ومهنيا ونفسيا.

صدر قانون الجنسية في العام 1959 ليحدد طرق إثبات المواطنة واكتساب الجنسية ولم يواكب صدوره وفتح اللجان المانحة حينها أي توعية حقيقية بأهمية هذه الوثيقة من جهة كما أن السلطة لم تتكبد عناء الذهاب بلجانها إلى التجمعات السكانية على طول الدولة وعرضها واكتفت بها في المدينة القديمة ليفد إليها من وفد ومن لم يكن مهتما بها أو منشغلا بعمله البعيد في القرى النائية أو سكناه في البادية لم يأبه ما إذا حصل عليها أو لم يحصل طالما أن الأمور مقضية ولم يعق مسيره عثرة هنا أو هناك كما هو الحال بعد ذلك التاريخ بربع قرن.

ضمن أوراق قديمة وجدت إيصالا لوالدي من وزارة الشؤون الاجتماعية يفيد بأنه من المتعطلين. تاريخ هذا الإيصال كان في العام 1963 وكان حينها قد ترك عمله بوزارة الأشغال أملا في أن يلتحق بالعسكرية. لم يحتج الأمر منه إلا تقديم شهادة ميلاده التي حصل عليها وفق إفادة له قبل ذلك بسنة أو سنتين وفيها حدد له الطبيب المختص أنه ابن عشرين عاما والشاهد في هذا الأمر أن والدي لم يكن مطلوبا منه التقدم بوثيقة الجنسية لإثبات أنه مواطن كويتي وكانت السلطة تكتفي بإفادة من الشخص المعني قناعة في أن أهل باديتها هم مواطنون وليس كما يشيع الإقصائيون بعد ذلك بأكثر من ثلاثين أو أربعين عاما ليدعوا أن لا بادية للكويت وأن الكويت الدولة هي الكويت المدينة.. ومن كان منصفا منهم اكتفى بالإشارة إلى أن قبائل الكويت جنس أفرادها جميعا متجاهلين أن كثيرا منهم ظلوا خارج رحم المواطنة القانونية لمجرد أنهم لا ينتمون إلى قبائل بعينها أو أن امتداد قبائلهم إلى الشمال لا الجنوب.

حينما كانت السلطة راغبة في بناء دولة متماسكة سنت استثناء أهل البادية من قانون إقامة الأجانب معترفة بأن لهم الحق في التنقل الذي اعتادوه إيمانا منها بأن هذه أراضيهم التي لا ينازعهم عليها أحد، وما إن استقر شكل الدولة الحديث حتى تنكر الإقصائيون لأبناء هذه القبائل معتبرين أنهم وافدون أو نازحون أو متسللون إلي الدولة وليسوا مواطنين لها.

إيصال والدي، ومئات البدو الذين التحقوا بوزارتي الداخلية والدفاع ووزارات الدولة المختلفة على مدى العشرين عاما اللاحقة لم يحتاجوا إلى أوراق تثبت انتمائهم للدولة؛ فهم اكتسبوا هذه الشرعية من مبدأ القبول بهم في الدولة واستيعابهم في الوظائف العامة ومنحهم مجمل الحقوق المدنية التي ينالها المواطنون عادة: التعليم الحكومي، والتطبيب المجاني، وحرية التنقل والحصول على وثائق السفر، والحصول على وظيفة حكومية، وهذه حجة على السلطة لا لها خاصة وأن الأعداد لم تكن بتلك الكثرة التي تستحيل معها المعالجة. وهنا نتحدث عن الجيل الأول فقط وربما الثاني وأعني جيل الأجداد وأبنائهم الذين للتو اختاروا الانتقال من حياة الرعي والبادية والانتقال إلى حياة التمدن والاستقرار، الجيل الذي ولد مع ثلاثينيات وأربعينات القرن الماضي وأبنائهم الذين ولدوا في خمسينياته وستينياته.  

هذا السرد التاريخي كان لزاما للوصول إلى النقطة الحرجة التي تمثلت في جنوح السلطة إلى فلسفة جديدة في التعامل مع من عرفوا بالبدون لاحقا بعدما كان مسماهم أهل البادية مع إطلالة العام 1987 باعتماد وثيقة التضييق على هذه الأسر التي وصل تعدادها آنذاك إلى أكثر من ربع مليون شخص عمل جلهم في سلكي الجيش والشرطة.

هذه الوثيقة لم تظهر إلى العلن إلا بعد عقد تقريبا من اعتمادها، إلا أن إجراءاتها وضعت على سكة التنفيذ مباشرة وإن كانت بشكل متدرج منذ ذلك التاريخ وربما يكفي الإشارة مثلا إلى أنهم حرموا من التمتع بالبطاقة المدنية مطلقا رغم أنهم قيدوا في السجل المدني للدولة وهي التي كانت تمنح لجميع السكان المواطنين منهم والوافدين إلاهم وأيضا ومنذ ذلك التاريخ منعوا من الالتحاق بالتعليم العالي في دولة لم توفر فرصا بديلة للتعليم الجامعي لمن حرمتهم إياه. وأيضا وربما هو الأهم بدأت السياسات بالحد من توظيفهم سواء في السلك العسكري الذي اعتاده جيل الآباء والأجداد أو الوظائف المدنية في وزارات الدولة المختلفة.

وعليه وبعد أكثر من ربع قرن على هذا التضييق ولد جيل مختلف لم يذق حلاوة المكاسب واكتوى بنار الحرمان، وهؤلاء لا يمكن مطلقا إقناعهم بمقولة الإقصائيين عن جيليهم السابقين من أنهم أخفوا وثائقهم الثبوتية للحصول على مميزات المواطنة وذلك أن هذه المميزات تمتعوا بها لأكثر من عقدين فيما حرموها هم في الوقت الذي كان يفترض أنهم الأكثر استحقاقا لها بحكم أنهم ولدوا وتربوا في كنف الدولة الحديثة وتحت نظرها ولا يمكن استبعادهم من منظومة المواطنة بحكم ذلك المنشأ.

هؤلاء تحديدا من توجهنا إليهم بالسؤال ما إذا كانوا يرون أن أحلام البدون في عهدهم تقلصت من مواطنة كاملة الدسم إلى رعايا يطلبون كفاف المعيشة، والحقيقة أن جل من استقصيت رأيهم أحجموا عن المشاركة تخوفا وربما ارتباكا من لحظة مواجهة ما يرون أنه حقيقة بائسة تتجلى أمام أعينهم.

وقلة هم من اختاروا الإجابة ومنهم خلف الذي ولد في العام 1985 لأب يعمل في الجيش منذ أكثر من ربع قرن قبل مولده ورغم أنه في العقد الرابع من عمره إلا أنه عاطل عن العمل بمؤهل ثانوية عامة فقط. ويجيب قائلا: حال الكثيرين وطموحهم تدنى إلى الحد الذي يضمن فيه وظيفة وراتب وتخلت الأكثرية عن حلم المواطنة والجنسية كواقع أو ثقة بوجود نوايا حكومية لذلك بدليل تكرار الاعتصامات للمطالبة بها دون وجود أعداد تبشر بتحقيق هذا الحلم فضلا عن كثرة الوعود الحكومية بإنهاء الملف دون تنفيذ هذه الوعود على أرض الواقع.

ويرى خلف أن هذا الجيل الذي ينتمي له وصل إلى حالة من اليأس بالحصول على المواطنة. ويقول: هذا الجيل تعب وغير راغب بممارسة الحلم أصلا حيث يرى الجيل الذي سبقه شارف على أن يكون له أحفاد وهو لم يحصل على شيء من وعود المواطنة ولا حتى المزايا القديمة للفرد البدون من مدارس حكومية ووظائف عسكرية. وما إذا كان يعتقد أن حالة التضييق المعيشي ستفضي إلى ارتداد عكسي عند هذا الجيل الذي عاش تحت وطأته يجيب: بشكل كبير، نعم. وقد رأينا حالات البؤس التي أوصلت البعض منهم إلى الانتحار.

عبد الله في الثانية والثلاثين من عمره وهو من مواليد العام 1990 بمعنى أنه مولود بعد وثيقة التضييق. يعمل في الحقل الإعلامي لحمله بكالوريوس إعلام حصل عليه من خارج البلاد لإيمان والده بأهمية التعليم ربما وأهمية أن يعد ولده لمستقبل متقلب. يقول: إنه مع كل شروق شمس جديدة معلنة بداية يوم جديد تحمل معها بصيص أمل، يستيقظ كل مواطن بدون ليصطدم بجدران القرارات التي تضيق عليه معيشته، حتى غدت أقصى طموحاته أن يمر يومه دون أن يسمع أو يقرأ تصريحا أو فعلا عنصريا يذكره بمعاناته. ويردف ساخرا بتهكم: مواطنة؟ هههههههه، نعم حلم بات يصعب تصديقه، بصفتي مواطن بدون أصبحت أحلم بالمواطنة في بلدي حتى وصلت إلى الدرجة التي ليس لي الحق بهذا الحلم، ويجب علي أن أعيش فقط دون المطالبة بحقوقي، لم أختر الاستسلام بل أجبرت على ذلك، كل منا لديه ما يخاف عليه، ولا يخفى على أحد الأشياء التي أخاف عليها لأنهم يهددوني بها ولذلك أنا لا أتجرأ على أن أحلم بالمواطنة، أنا أعمل لأحصل على قوت يومي فقط دون هدف ودون طموح، هم أوصلوني إلى طريق أسير به دون رغبة بل أسلكه لأعيش، هكذا أرادوا ونجحوا في مسعاهم هذا.  

ويجيب ردا على سؤال ما إذا كان هذا الجيل قد وصل بالفعل إلى حالة من اليأس بالحصول على المواطنة بالقول: نعم، الغالبية من أقراني تمكن اليأس منهم، لأنهم قتلوا كل بوادر الأمل لديهم، الحرمان المستمر أصبح شبحا لهذا الجيل ونتائجه وخيمة على المجتمع.

ويتابع استطرادا ما إذا كان يعتقد أن حالة التضييق المعيشي ستفضي إلى ارتداد عكسي عند الجيل الذي عاش تحت وطأته: بالطبع. ولكل فعل ردة فعل، فكل شخص يلاحق ويضيق عليه بمعيشته سيولد عنده شعور ضد من حوله وخاصة ضد من يتمتعون بالمواطنة.

هي صرخة يطلقها خلف وعبد الله تمثل جيلا كاملا ولد في حقبة ما بعد التضييق مفادها: لا ذنب لنا في أن نكون ضحايا لما تعتقدون أنه جرم أجيال سابقة. نحن مواطنون ونستحق أن نحلم بها فلا تقتلوا بنا الأمل، لا تقتلوا الحلم.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد