dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
بدون ضد البدون؟ - أحمد السويط

بدون ضد البدون؟ - أحمد السويط

قبل مدة قصيرة ألغيت متابعة مجموعة كبيرة من الكويتيين البدون الذين يأست من محاولة إقناعهم بالمشاركة في مشروع ثقافي تحرري من شأنه -على الأقل- أن يحسن أوضاع مجتمعنا المعيشية. كان من بين الذين ألغيت متابعتهم إعلاميون وأكاديميون منهم من يشغلون وظائف تدريسية في العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعات عالمية عريقة. السبب الرئيسي وراء سخطي تجاههم هو غيابهم غير المبرر تجاه قضيتهم، وعدم تفاعلهم مع دعوات خاصة وعامة تقدمت بها لهم شخصياً في أكثر من مناسبة منذ أن بدأت البحث في قضية البدون بشكل علمي في المملكة المتحدة وتوصلت إلى أدلة تشير إلى ضرورة وجود برنامج ثقافي يتصدى لعمليات تدليس ثقافي على مستوى التقارير الإعلامية والأبحاث العلمية التي بصورة أو بأخرى تشوّه صورة الكويتيين البدون أو على أقل تقدير تشوّش حقيقة نشأة قضيتهم والواقع الذي يعيشونه. ناهيك عن مسؤولياتنا الأخلاقية التي تحتّم علينا السعي في دعم وتحفيز مجتمعنا في ظل ما مرّ به من عمليات إقصاء وتهميش صاحبها ونتج عنها حالات تجهيل وإفقار وفصل وعزل اجتماعي ونفسي تتطلب معالجتها جهود جماعية مكثفة.

ولما لمسته من تجاهل ’الأكاديميين البدون‘ على الرغم من قدرتهم وعلمهم بخطورة الوضع وأهمية دورهم فقد بدأت تتشكل لدي قناعة بأن مواقفهم تجاه قضية مجتمعهم لا تختلف كثيراً عن مواقف الجهات التي انتهجت سياسات اللامبالاة والتسويف والتجاهل في التعامل مع مجتمع الكويتيين البدون، غير آبهين بما يتعرض له أطفال ونساء ورجال هذه الفئة الاجتماعية المهمشة من تعسف وانتهاكات سواء من المسؤولين المعنيين، أو من فرق التنمر والتشبيح التي تؤيدهم من عامة المواطنين. لا أستطيع أن أرى أشخاص محسوبين على مجتمعي يمارسون ما يمكن وصفه بـ"الخيانة الاجتماعية والثقافية" بحق أبناء جلدتهم دون أن أنقد وأحاكم مواقفهم، لا سيما أنهم لم يكتفوا بالعزوف عن العمل المنهجي لاسترداد ما نؤمن بأنه حقوقنا المسلوبة في وطننا، ولوضع حد للحرب النفسية والاجتماعية المعلنة ضد مجتمعنا، بل تجاوزت مواقفهم إلى ما يبدو وكأنه نظرة دونية (بدونية-بدونية) يمارسونها تجاه ثلة من الطبقة الكادحة من مجتمعنا الذين لم يجدوا خياراً أمام فشلنا —نحن الذين تمكنا من الحصول على التعليم العالي— سوى أن يشمروا عن سواعدهم ويتحملوا على قلة عددهم وعتادهم مسؤوليات المواجهات والمطالبات السياسية وأعبائها وتبعاتها والتصدي لممارسات التهميش والاضطهاد التي نعاني منها جميعا.

أكره الخوض في هذا الأمر ولكن أتمنى أن نفكر في الأسئلة التالية بتجرد وموضوعية: بماذا يختلف موقف العازفين عن نصرة مجتمعهم المضطهد عن موقف المسؤولين والمواطنين الذين ينفذون ويباركون سياسة التجاهل والتسويف التي تمارسها الحكومة لاستنزاف الكويتيين البدون جسدياً وروحياً؟ ما الفرق بين ما تعرض له، مثلاً، محمد خضير العنزي من تعسف بسبب عبارة تفوه بها في لحظة غضب —"حَر صواب" كما نعبر عنها بالعامية— وما يقوم به من يبدو أنهم منشغلين بالتصيد لأبناء جلدتهم في الماء العكر؟ ما معنى أن نغيب عن قضيتنا "غيبةً كبرى"، ولكن ما إن خرج سعد العنزي أو أبو تركي أو محمد البرغش (أو أي شخص من عامة مجتمع الكويتيين البدون) بفكرة أو فعالية أو كلمة ما، حتى انهالت عليه الإسقاطات المريبة والمغرضة التي تصل إلى مستوى التنمر أحياناً؟ نحن لسنا معصومين عن الخطأ، ولكن يبدو أن هناك من يعتقدون أنهم يمارسون النقد فيشكِلون حتى على ما هو ملتبس فقط أو غير مقصود، وإن لم يجدوا ما يشكلون عليه قد لا يترددون في لومك على ظلك المائلً، غير آبهين بمقاصدك العليا من الوقوف تحت الشمس. قد أبدو مبالغاً، ولكن ما واجهه الأخ سعد العنزي بعد اعتصام الكويتيين البدون الأخير أمام وزارة التربية للمطالبة بحق خريجي الثانوية العامة للعام الدراسي 2021/2022 في التعليم العالي، من الإسقاطات التي لا أتردد عن وصفها بالهراء والعبثية يوضح هذا المعنى.

من الواضح أننا نعاني مما يُعرف بصراعات القوى الداخلية فيما بيننا —micropolitics، وكذلك لا نخلو أحياناً من الشرور الفطرية-البيئية، مثل حب الظهور بصورة أفضل من الآخرين، التي قد تصل إلى مستوى النرجسية وما تتضمنه من أنانية وآفات سلوكية مدمرة لا سيما المنافسة على الأضواء ومحاولة الوصول إلى الصدارة والتسيّد حتى لو تطلب ذلك مهاجمة الآخرين وتسقيطهم زوراً وبهتاناً. هذه إشكالات عملية وأخلاقية خطيرة يخبرنا التاريخ أنها تؤدي إلى التخلف والدمار، لذا يجب علينا أن نتجاوزها ونترفّع عنها لأن خلاصنا لن يتحقق إلا بالتعاون مع بعضنا البعض، إن لم يكن ذلك من أجل تاريخنا وواقعنا المشترك، فعلى الأقل من أجل مصائر أبنائنا وبناتنا وأمهاتنا وآبائنا التي سوف تتأثر بمواقفنا تجاه قضيتنا حتى هذه اللحظة وابتداءًا منها. نحن في مركب واحد، بل نحن مأسورون في سجن واحد، وبدلاً من أن يتناحر الأسرى في ما بينهم، عليهم أن يتفكروا معاً في كيفية تحرير أنفسهم.

لا بد من الإيمان بأهمية التعاون والعمل المنهجي المستمر في قضيتنا، وضرورة وجود برنامج ثقافي هدفه حماية مجتمعنا مما يُمارس ضده وإعادة بنائه من الداخل في ظل القيود والتحديات المفروضة عليه. هذه ليست رغبة شخصية، وإنما هي قناعة مبنية على أدلة ونتائج توصلت إليها أثناء دراسة الماجستير في مركز للتدريب والأبحاث العلمية يتصدر التصنيف العالمي في جودة التعليم للسنة الثامنة على التوالي في قضايا الهويات والاختلافات الاجتماعية، والاقتصاد السياسي، والحركات الاجتماعية السياسية، وأنظمة الحكومات في نظام الدولة الحديثة. كان بحثي في رسالة الماجستير عن حراك البدون السياسي أثناء الأزمة العالمية (جائحة كورونا)، وأهم النتائج التي توصلت إليها جاءت كالتالي: السبب الأول في استمرار قضية البدون هو عدم امتلاك مجتمع الكويتيين البدون برنامج عمل منهجي لحل قضيتهم منذ نشأتها عام 1961؛ والسبب الثاني فهو ممارسة الكثير من أفراد مجتمعنا أشكال التمييز والإقصاء والعنصرية ضد بعضهم البعض مما يزيدنا فرقةً وتشتتاً وضعفاً أمام خصومنا؛ أمّا السبب الثالث فهو مطالبتنا بالجنسية كحل جذري على الرغم من أنها هي الأداة المستخدمة في إقصائنا وتهميشنا وحرماننا من حقوقنا الأساسية، حيث أن زيادة الطلب عليها يزيد من قيمتها ويعطي من يتحكمون بها المزيد من القوة والهيمنة. هذه معضلات عملية وأخلاقية لا مفر لنا من الحديث عنها والتفكير في كيفية التعامل معها إن أردنا التحرر من القيود المفروضة علينا وتغيير واقعنا للأفضل.

بالإضافة إلى البحث العلمي، علينا الاستفادة من التفاعل مع الجماهير، لا سيما أفراد مجتمعنا. في حوار تحت عنوان "البدون والتعليم في أزمة كورونا" (2020)، علّقت إحدى الأخوات باسمٍ افتراضي قائلةً:

"أعجبتني جدا الفكرة. بارك الله فيكم. أيضا نواجه مشكلة كبيرة وهي أن مجتمع البدون هو خليط، بعضهم لديهم أقارب كويتيين من الدرجة الأولى. هناك فروقات اجتماعية كبيرة ومتفاوتة. لا يمكننا التكيف مع أقاربنا بدأنا بالانعزال عن مجتمعهم بسبب الإحراج من بساطة العيش. قبل أزمة كورونا نحن منعزلون وعلاقاتنا بالمجتمع محدودة. لا أستطيع التوضيح أكثر ولكن هناك أمور كثيرة أثرت على نفسيتنا كمجتمع بدوني، خاصة مع تربية الأبناء وتعليمهم بالفوارق الاجتماعية. الطفل لا يعي هذه الفروقات. حتى بمجتمعنا البدوني تفاوت اجتماعي كبير."

(ب. التميمي)

أعترف بتقصيري بعدم التفاعل مع النقاط الجوهرية التي أثارتها الأخت في تعليقها حول تحديات العيش وتربية الأطفال في بيئة اجتماعية مليئة بالحرمان والتمييز إلى درجة أوصلت مجتمع الكويتيين البدون —على حد وصفها— إلى العزل الاجتماعي والنفسي. لسبب ما لم أنتبه حينها لأهمية ما في هذا التعليق الذي يستحق من جميع القادرين منا الآن اهتماماً وتفاعلاً على قدر المعاناة التي يعيشها مجتمعنا الذي يعوّل على جهود المخلصين من أبنائه وبناته. الخطأ الذي وقعت فيه حين فشلت في ملاحظة تعليق الأخت ب. التميمي يجعلني ألتمس العذر لمن لم يتفاعل من أبناء مجتمعي مع الدعوات التي أشرت إليها في بداية الحديث، فربما كان التجاهل غير مقصود، أو لعلني لم أوضح أهمية البرنامج الثقافي الذي كنت أدعو إليه.

حاولت من خلال إلغاء المتابعة والتوقف عن التواصل مع الكثيرين من الأصدقاء والزملاء أن أوصل رسالة احتجاج تعبر عن سخطي نتيجة تشرذمنا وانهزامية أفراد مجتمعنا وعدم تفاعلهم مع قضيتهم (بشكل منهجي) على الرغم من مساهماتهم الملحوظة في ميادين مختلفة في الكويت وحول العالم. حاولت أن أستثيرهم للتفاعل مع قضيتهم المستحقة من خلال المشاركة في تصميم وتنفيذ برنامج عمل ثقافي تحرري هدفه حماية المجتمع والسعي من أجل تغيير واقعه للأفضل وفق جدول زمني محدد. أمّا الآن فمن أجل قضيتنا المستحقة أقدم اعتذاري للجميع عن كل شيء بدر مني، وأتمنى أن أرى جميع الكويتيين البدون متسامحين مع بعضهم البعض. ولن أكتفي بالرسائل المشفرة، بل سأشحذ همم الجميع وأدعوهم للحوار حول البرنامج المنشود بأسرع وقت ممكن. دعونا نغير كل معادلات الخوف والغضب والتفرقة التي مورست على أجيالنا على مدى عقود من الزمن ونحولها من "بدون ضد البدون" إلى "بدون من أجل البدون". أنا مؤمن بأهمية التعاون وجدواه في برنامج عمل ثقافي منهجي إلى جانب جهود أخواننا في العمل السياسي المؤسسي. ولا يحضرني وأنا أتقدم بالدعوة لمشروع برنامج الكويتيين البدون الثقافي أوجز من تعبير الشاعر العراقي المفوّه فلاح حيال البدري: "اليوم الغيرة تبين والما يفزع ما اوازيه".

مصدر الصورة: Triumphus

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد