dark_mode
  • الخميس ٠٧ / يوليو / ٢٠٢٢
البدون ميديا: الإخوة الأعداء وسعدية مفرح – جهاد محمد

البدون ميديا: الإخوة الأعداء وسعدية مفرح – جهاد محمد

حقيقة أنني لا أعرف من قائل: "حل المشاكل لا ينبغي أن يكون مصحوبا بظهور مشاكل أخرى... هذا فخ" لكنني أعرف جيدا أننا نعيش الآن داخل الفخ الكبير، وهو الأمر الذي أخذ نحو 36 عاما من العمل الحكومي الممنهج نحو تمزيق قضية البدون من كتلة واحدة إلى فئات عديدة على الطريقة ذاتها من مواد "الجنسية الكويتية" لكنه في المقابل احتاج إلى أقل من 3 سنوات وبعض مساحات صوتية "سبيس" على "تويتر" لتبديل مصطلح "الناشطين البدون" إلى "الأفرقاء البدون".

التشكيك، عدم تقبل الرأي الآخر، هوس قيادة مجتمع يعاني من الحرمان في شتى مجالات الحياة، وغيرها من الأمور المصيبة بالغثيان والتي يعاني منها المتابع في صفحات التواصل الاجتماعي، ممن تصدوا –مشكورين- للقضية وقدم بعضهم تضحيات هي بلا أدنى شك محل تقدير وامتنان كبيرين، دون أن يعي الجميع بعد سنوات عديدة من ولوجهم لعالم الفضاء الإلكتروني أن صحية الاختلاف في وجهات النظر لا يجب بأي شكل من الأشكال أن تتحول إلى خلافات شخصية تظهر مجتمع البدون ممزقا على مستوى الصف الأول منه.

صحيح أن للأفراد كامل الحق في التعبير عن الرأي وفق القواعد الأخلاقية والقانونية – قولا وفعلا- لكنه وقياسا على حجم المعاناة التي يواجهها البدون في حياتهم اليومية فإنهم يملكون - فيما بينهم- هامشا أضيق من غيرهم في الاختلاف بوجهات النظر، فقضايا المواطنة والهوية والتعليم والطبابة والحق الأصيل في تقرير المصير يجب عليها أن تكون قبلة اصطفاف شعبي وحاضنة وطنية لا تتلكك فعالياتها السياسية والمجتمعية بهشاشة الصف البدون كسبب رئيسا في ابتعاد اهتمامه بالقضية.

أخلاقيا، يبدو كل البدون أمام مسؤولية خدمة القضية على تفاوت إمكانيات كل واحد منهم، ولا يجب أن يكون هذا الأمر حكرا على أي مجموعة دون غيرها بل يجب أن يكمل الآخر كل خطوة يتم الإقدام عليها، وهذه هي القيمة الحقيقية فيما يعرف بـ"العمل الجماعي" وهي أكثر ما يفتقده البدون منذ بداية حراكهم وحتى الآن، لكنه ومن المؤسف حقا أن الحد الأدنى من هذا العمل الجماعي يتمثل قولا فقط وليس فعلا وذلك بأمرين: إما التعليق على الحالات المأساوية المتمثلة في الانتحار أو القضايا الإنسانية ذات طابع الحرمان، أو عبر اصطفاف واسع من ردة فعل "مثيرة للشك" يقدم عليها أحد المناهضين للبدون، وهو الأمر الذي يطرح علامة استفهام كبيرة لسؤال: هل تهدف هذه الأمور إلى "شيطنة" مجتمع البدون؟

 

المبنى 55

في 2 أبريل 2015 نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية تقريرا مطولا عما يعرف بـ المبنى 55 الواقع في شارع "سافوشكينا" بمدنية سان بطرسبيرغ وهو أحد أهم "الجيوش الحكومية الإلكترونية" والتي يرتكز عملها على ثلاثة أمور رئيسية وهي: إفساد النقاشات الجادة والترويج للسياسات الحكومية ومهاجمة المنتقدين وإرهابهم.

ينجر رواد مواقع التواصل الاجتماعي بسهولة إلى حالة الغضب جراء الألفاظ الهابطة واللغة غير الأخلاقية التي يتم التلفظ بها بشكل ممنهج تجاه قضية البدون، فمصطلحات مثل: " كووالة والمعدان والمزورين" وبعض الشتائم المتعلقة بالأصول من العراق وسورية والسعودية لا تمثل تنمرا تجاه فئة كبيرة من سكان الكويت وحسب، بل إنها تأخذ منحنى خطير في الترويج للعنصرية والكراهية في المجتمع، هذا بالإضافة إلى طرح أفكار أقل ما يقال عنها بـ "النازية" والتي تحث الحكومة على الضغط بقراراتها من أجل تقليل حالات إنجاب المواليد الجدد من البدون دون أن يعي أصحاب هذه الأفكار "الفذة" أن الأمر مطبق بالفعل منذ أكثر من 30 عام عبر منع إصدار شهادات الزواج الرسمية أو شهادة الميلاد للأطفال.

 هذه الظاهرة ليست متعلقة بتجربة سلوكية يقدم عليها أفراد ذوو علاقة ما بجهات رسمية، بل إنها تتلخص في المساعي الخبيثه للبعض نحو جر البدون إلى ردة فعل لفظية عنيفة تعزز من حالة عدم قبول أولئك أصحاب القناعة "الرمادية" من المواطنين تجاه المطالب الحقوقية للبدون، وبالعودة إلى الوراء قليلا فإن مصطلحات الكراهية هذه والأفكار ذات الطابع الإقصائي تأتي غالبا بعد موجات شبه الإجماع السياسي-الشعبي تجاه حل قضية البدون.

 وكتبسيط لمفهوم "السلوك" تذهب أغلب المفاهيم إلى: أنه هو جميع أشكال استجابة الكائن الحي –قولا وفعلا- تجاه المواقف التي يواجهها، ولسنا هنا بصدد تقويم أي من الخصائص الكامنة في أخلاقيات الأفراد بهذه الأفعال عبر قبوله بأن يكون "بوق" عنصري رخيص مقابل مكافآت مادية في الغالب، إلا أنه من المهم جدا لفت الانتباه إلى ردة الفعل المجتمعي تجاهها، وهنا لا يعني البحث عن "مثالية" كاملة لكل أفراد المجتمع في ردود الفعل بل إلى تقنينها مقابل هذه الآراء القبيحة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ردود الفعل السلبية أو الإيجابية هي ما تسلط الأضواء دائما على الفعل نفسه.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى ترتيب سلم أولويات تقديم المحتوى الإعلامي للبدون في هذه الفترة بالتحديد وفق قواعد ثابتة لا تراعي الحد الأدنى من المعايير المهنية وحسب، بل إلى مواكبة المزاج الشعبي في الأحداث التي يتعاطى معها، علما أن متصدري المشهد الإعلامي البدوني فوتوا خلال الفترة الماضية فرصة ذهبية ليس على الصعيد المحلي فقط، عندما ذهبوا بمساحاتهم إلى أماكن بعيدة عن الالتفاف الكويتي والعربي مع الأديبة والإعلامية أ. سعدية مفرح خلال حملة الإساءة العنصرية التي تعرضت لها.

من كل هذي الريح... اخترت العاصفة!

عذرا للشعر، للصور التي رسمتها الكلمات وعلقت بجدار القلب، عذرا للأدب الذي لم تتأدب تلك الأبواق بحضرة أستاذته، عذارا للجهراء والطريق الذي قطع آلاف المرات نحو شارع الصحافة، للمكتب في الطابق الأول من مبنى "القبس" لفناجين قهوة زوراه وكرم مضيفتهم بأن يختار كل منهم ما يريدونه من مكتبتها، عذرا للجوائز التي نالت شرف فوزك بها، للدراسات التي كتبتها وكتبت عنك، والمقالات التي أسرتنا بك، عذرا لبعض رمزية قصائدك و "سين" سيرتك الذاتية الكاملة تلك التي لا يعيبها تطاول زمرتهم طالما أن حجارتهم لم تصل علو قامتك.

يا لكبرك وصغر هذه الحدود! كيف لشعرك أن يحتويه وطنا واحدا؟ ولتجربتك أن تختصرها هذه الأسطر، ونحن الذين أصبح اسمك جواز عبور غمورنا: من بلاد سعدية مفرح... نقولها، فيعانقون فينا أبياتك، فيا من وهبت الكويت كل هذه الدواوين دون أن يكون لها ورقة! ويا من عشقت الكويت كل هذا العشق ولا زلت بها مقيمة بصورة غير شرعية!

"من كل هذي الريح... اخترت العاصفة" حتى صرت تترنح في مهبها، ها قد أصبحت مثالا حيا بعد سنوات مما قاله الراحل د. غازي القصيبي عنها: "قبل أن يشعر أحد بالشفقة على هذه الفتاة المتوارية في صمت الخيمة عليه أن يتذكر أنها في النهاية انتصرت على فراشات المدن المضيئة" فيا لفداحة خسارتك ويا لعظمة انتصارها وهي تجد كل البلاد إلى صفها.

سعدية مفرح، يا علم الكويت في خارطة الشعر العالمي... عذارا.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد