dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
إضراب البدون والجريمة الكبرى! - أحمد السويط

إضراب البدون والجريمة الكبرى! - أحمد السويط

تعليق إضراب البدون

بعد 19 يوم من الإضراب عن الطعام احتجاجاً على استمرار الحكومة بتجاهل قضية البدون منذ عقود من الزمن، أعلن المضربون البدون محمد البرغش وفاضل الشمري (أبو تركي) ويوسف الزهيري تعليق إضراب البدون من الخيمة التي بدأ فيها في 27 مارس 2022 مقابل مخفر الصليبية. جاء قرار التعليق في ظل إمعان الحكومة بتجاهلها اللامسؤول لصوت البدون والرأي العام الدولي مستفيدةً كالعادة من تخاذل السلطة التشريعية عن تحمل مسؤولياتها السياسية والأخلاقية تجاه أكبر وأقدم معضلة سياسية في تاريخ دولة الكويت. كذلك كان قرار تعليق الإضراب استجابة لبيان مجموعة من القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني بشأن تحويل ما حققه الإضراب من رأي عام محلي ودولي إلى نواة مؤتمر موسع يبدأ التحضير له فور إنهاء الإضراب ويكون عقده خلال مدّة لا تتجاوز الشهرين.

ماذا كشف الإضراب حتى الآن؟

لعل أهم ماذكّرنا به الإضراب هو عمر قضية البدون والأجيال التي عانت وتعاني منها، ولكن أيضاً وحشية الواقع الذي يعيشونه. حضر أطفال من البدون إلى خيمة الإضراب وعلى وجوههم واللافتات التي حملوها آثار القضية التي حرمتهم من أحلام الطفولة، ناهيك عن مشهد الرضيع الذي لم تستثنه ممارسات التضييق على البدون حتى أوصلته إلى خيمة الإضراب. أما الكبار من البدون فلا تقل آلامهم عن الأطفال. امرأة ستينية مات زوجها مستشهداً وهو يدافع عن أرض الكويت تروي بحسرة كيف دفعتها ظروف الحرمان والتضييق على كبر سنّها وحالتها الصحية المتعبة إلى قيادة شاحنة صغيرة —وانيت— للعمل في بيع الخبز اليابس (في منطقة كبد) حتى تتمكن من رعاية أسرتها. ورجلٌ يبلغ من العمر ثمانين عامًا مولود في الكويت في الأربعينيات، خدم في السلك العسكري الكويتي منذ عام 1963، يبكي عندما يستذكر كيف تم تلفيق جنسية أجنبية وقيود أمنية له بدلاً من تكريمه. في خيمة إضراب البدون تجلّت عدالة من نوع آخر، عدالةٌ لم يَبدُ منها سوى أن الظلم الواقع على البدون يقع عليهم جميعاً بلا تمييز. ولعل هذا ما أكده المضربون في بيان تعليق الإضراب أن إضرابهم كان احتجاجاً على استمرار تجاهل الحكومة لمعاناة البدون وإمعانها في ممارسات التضييق التي شملت جميع أفراد مجتمع البدون ودفعت (وستظل تدفع) البعض منهم إلى الانتحار.

ماذا يشكّل استمرار تجاهل قضية البدون؟

لا تكاد تخرج الخطابات المتعلقة بقضية البدون —سواءً كانت مناصرة أو معادية للبدون— عن محورين أساسييين: المواطنة والحقوق (السياسية والمدنية). في هذا السياق، يدور النقاش في أغلب الأحيان حول صحة مطالبات البدون بالجنسية والقوانين ذات الصلة بهذا الجانب، وحقيقة حرمانهم من حقوق الإنسان الأساسية (مثل السكن والتعليم والعمل والتنقل داخل البلاد وخارجها) بسبب وضعهم القانوني المعلّق والذي تم تعقيده منذ عام 1986 على الأقل. لكن إذا كان حرمان البدون من حقوقهم يشكّل جريمة لأنه يتعارض مع القيم الاجتماعية والمعايير الثقافية لما يُعتبر تصرف بشري طبيعي على مستوى الحضارات والأزمنة المختلفة، فإن ممارسة الدولة الضغط النفسي والاجتماعي على مجتمع البدون بشكل رسمي ومعلن، كما صرّح وكيل وزارة الداخلية السابق مازن الجراح الصباح، تشكل جريمة منفصلة، لأن هذا الضغط الحكومي يدفع الإنسان البدون تجاه ثلاثة خيارات لا رابع لها: القبول بالتحوّل من كويتي عديم جنسية (بدون) إلى جنسية أجنبية لا ينتمي لها تحت الإكراه والابتزاز، أو الهجرة القسرية من الكويت وما يصاحبها من آلام ومخاطر، أو الإقدام على الانتحار الذي تجاوزت الحالات المعلنة منه بين أوساط البدون 10 حالات منذ شهر يولو عام 2019. لذلك نحن أمام جريمة مركبة، ولعل الجزء المخفي منها هو الجريمة الكبرى.

الجزء المخفي من الجريمة (Dark figure of crime)

بعض الجرائم تتضمن أفعال ثانوية يكون الغرض منها تشتيت الانتباه عن أفعال أخرى أساسية، كافتعال مشاجرة أو حريق في مرفق ما للتسلل منه أو إلى داخله بقصد ارتكاب جريمة معينة كالسرقة، أو تهريب مواد خطرة أو أشخاص مطلوبين، أو القتل، أو غير ذلك. في هذا النوع من الجرائم تقوم الجريمة الأولى بتسهيل وقع الجريمة الأخرى. وعلى الرغم من أن هذا النوع من الجرائم معقد من حيث الأركان والدوافع، لكن تبقى عملية اكتشافه وتوصيفه ممكنة. لكن هناك جرائم معينة —أو جوانب معينة من بعض الجرائم— تبقى غير مكتشفة أو غير مسجلة نتيجةً لثلاثة أسباب رئيسية؛ السبب الأول هو عدم إبلاغ الضحايا عن تلك الجرائم إما بسبب جهلهم بحقوقهم القانونية، أو لخوفهم من انتقام الجناة منهم في ظل عدم حماية السلطات لهم، أو لاعتقاد الضحايا بأن بلاغاتهم وشكواهم لن تؤدي إلى أي عقوبة، ربما نتيجةً لتجارب سابقة لهم أو لغيرهم مع (عدم) تفاعل السلطات في بلاغات وشكاوى من نفس النوع. السبب الثاني هو عدم رغبة الجناة بالإبلاغ عن جرائمهم، وبالتالي منعهم للقانون من أن يأخذه مجراه، إمّا لإصرارهم ’الأخلاقي‘ على جرائمهم ضد الضحايا وضد نظام العدالة، أو بسبب عدم ثقة الجناة (الراغبين بالإبلاغ عن أنفسهم) بعدالة السلطات، وقلقهم بشأن الكيفية التي قد يواجهون بها عواقب جرائمهم. أمّا السبب الثالث فهو التقصير (غير) المتعمد من السلطات، أو قصور الأدوات المستخدمة في التحريات، ما لم تكن هناك استحالة ذاتية في بعض الجرائم لكي يتم اكتشافها. من هذا المنطلق تبنّى بعض علماء الاجتماع وخبراء الجريمة مفهوم "الجزء المخفي من الجريمة" لوصف الجرائم التي تبقى غير مكتشفة أو غير مسجّلة.

التعامل مع الجانب المخفي من الجريمة

تقوم الأنظمة التي تحرص على الأمن الاجتماعي ونظام العدالة فيها بتبني وتفعيل سياسات رصد العدالة وتسجيلها وتحقيقها في الجوانب المخفية من الجرائم بشكل يؤدي إلى منع أو تقليص إمكانية وقوعها في المستقبل. أمّا تكرار ذلك النوع من الجرائم فيتم التعامل معه بإجراءات صارمة ورادعة. ولكن هذا يتطلب إشراك أفراد المجتمع ومؤسساته المدنية في عملية إنتاج المعرفة عن (جوانب) الجرائم التي قد تخفى عن أعين السلطات، والإبلاغ عنها، ورقابة تحقيق العدالة فيها، ناهيك عن أهمية تمكين الضحايا من الإبلاغ عن الجرائم وحمايتهم من العواقب التي قد يتعرضون لها نتيجة إبلاغهم عن المجرمين. كما أن نشر التوصيفات القانونية لتلك الجرائم و(نتائج) إجراءات التعامل معها يتيح الفرصة لإثراء معرفي وفكري من شأنه تطوير منظومات الأمن والعدالة. بالإضافة إلى ذلك فإن للتواصل المعرفي والفكري بين أفراد المجتمع ومؤسساته المدنية والسلطات دور أساسي في طمأنة الناس بشأن إمكانية وجدوى التفاعل مع منظومة العدالة ونظام الدولة.

وبينما تعوّل الأنظمة التي تحرص على الأمن الاجتماعي على تطوّر الوعي القانوني لأفراد المجتمع ومؤسساته المدنية، وعلى دورهم في دعم ورقابة منظومة العدالة، نجد أنفسنا نحن البدون في واقع مليء بالتناقضات، حيث نقوم بمفردنا بمواجهة سلب حقنا في الانتماء إلى وطننا وحقوقنا السياسية والمدنية والإنسانية فيه خارج إطار القانون الكويتي والدولي، بما فينا من جراحات الإفقار المادي والمعنوي، وبصدورنا العارية للباطشين وظهورنا المكشوفة للغادرين. نحن الذين نقوم برصد الجرائم المرتكبة بحقنا وتوصيفها والإبلاغ عنها، ومع ذلك يتم تجاهلنا من السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل ويتم معاقبتنا في أغلب الأحيان على محاولتنا الإبلاغ عمّا نتعرض له، وعلى مطالبتنا بتطبيق القانون وتحقيق العدالة. وحتى عندما يلجأ الفرد البدون إلى القضاء للتظلم ضد ممارسات التلفيق التي يمارسها بعض المسؤولين في ’ الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية ‘تُرفض الدعوى في أغلب الأحيان بحجة "عدم الاختصاص"، ناهيك عمّا يتعرض له من يحاول سلك طريق القضاء من مضايقات له ولأسرته من الجهاز المركزي انتقاماً منه على محاولته طلب العدالة. ربما الأكثر غرابة في كل هذا هو تجاهل الأكاديميين والباحثين والقانونيين وخبراء الدستور الكويتيين، ليس لما يقع على البدون فحسب، بل لمخاطر وتداعيات الانتهاكات التي تمارسها الحكومة ضد البدون.

إذاً لا يقتصر تجاهل معاناة البدون على الحكومة ومواليها من أعضاء السلطة التشريعية، بل حتى السياسيين الذين يتغنون بشعار الإصلاح، فقد رأينا بأم أعيننا كيف عندما صرّح وكيل وزارة الداخلية السابق بممارسة الضغط النفسي والاجتماعي على البدون لم تحرّك القوى السياسية والاجتماعية ساكناً تجاه ذلك، وحتى من انتقده من السياسيين المعارضين آنذاك إنّما انتقده لابتزازه المبطّن للمواطنين الكويتيين بمواطنتهم. هذه الازدواجية في المعايير تجاه قضية البدون ليس فقط تمنع التصدي لجرائم مخفية يتم ارتكابها في دولة الكويت، بل تسمح لتلك الجرائم بالاستفحال بشكل قد تؤدي تداعياته إلى تقويض الأمن الاجتماعي ونظام العدالة في دولة الكويت، ناهيك عن الآثار الدولية المترتبة على الانتهاكات التي تؤدي إلى تهجير أعداد كبيرة من البدون خارج دولة الكويت في وقت يشهد فيه العالم تصعيدات جيوسياسية نتيجة أزمة الهجرة القسرية وحركات شعبية متطرفة ضد المهاجرين. وإذا كان تجاهل ما يتعرّض له البدون بشكل يومي بحدّ ذاته يمثّل جريمة تستر على تداعيات محلية ودولية على دولة الكويت، فمن يشترك في تلك الجريمة إذا ما تحققت أركانها؟ هذا سؤال أتركه للقارىء الغيور على إنسانيته ومبادئه ووطنه الكويت.

ماذا بعد الإضراب؟

جاء في بيان تعليق إضراب البدون: "أن تعليقنا للإضراب سيكون مؤقتًا وخاضعًا لما يستجد في الأيام القادمة ويعتمد على ما ستبادر به الحكومة الكويتية من عمل ]ا[تجاه حل قضيتنا. وفي حال استمرار نفس النهج الظالم والتسويف، فإننا سوف نعود للإضراب ... وبأعداد كبيرة ... وبتصميم كبير". هذا موقف مجتمع البدون، ولكن ما الذي يمكن أن تقدمه القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني التي أبدت تضامنها مع البدون ووعدت بالوقوف إلى جانبهم في المرحلة القادمة؟

إن قضية البدون كما يبدو تتضمن جريمتين، جريمة الحرمان تعسفيًا من حق المواطنة والحقوق الإنسانية والمدنية والسياسية، وجريمة الإكراه والابتزاز بغرض تحويل الفرد البدون من عديم جنسية إلى أجنبي يمكن إبعاده عن الكويت أو منعه من العودة إليها لأي سبب من الأسباب، وما ينتج عن ذلك الإكراه والابتزاز من هجرة القسرية أو حالات انتحار نتيجة لظروف الضغط والحصار في جميع جوانب الحياة. لذلك لا بد من تحرّك جدّي على المستويين السياسي والقانوني للتصدي للأمر وحسم المسألة بشكل جذري.

لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياتنا، أعتقد كوني أحد أفراد مجتمع البدون أن هناك خطوات عملية ملموسة بوسع القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني اتخاذها فورًا وبالتزامن مع التحضير للمؤتمر المزمع عقده خلال مدّة لا تتجاوز الشهرين من تعليق الإضرابالخطوة الأولى هي توجيه كتاب خطي لرئيس السلطة التشريعية وأعضائها لتوثيق ما تتضمنه قضية البدون من جرائم —وتوصيف لتلك الجرائم، لتحميل السلطة مسؤولية الضغط السياسي لحسم أزمة الهوية القانونية للبدون بمنح حق المواطنة لكل بدون (عديم جنسية) بشكل مباشر، وفقاً لما يمتلكه من مستندات وأدلة تثبت انتماءه لدولة الكويت مقابل عدم امتلاك الحكومة أدلّة قطعية على امتلاكه جنسية أي دولة أخرى، دون تقسيم للبدون وفقاً لإحصاءات سكانية أو غيرها. أمّا الخطوة الثانية فهي التصدي للجريمة الكبرى، وذلك عن طريق تقديم بلاغ رسمي للنيابة العامة ضد ممارسات التضييق والضغط والقيود الأمنية التي يفرضها بعض المسؤولين في الجهاز المركزي على مجتمع البدون بالتعاون مع أجهزة حكومية بغرض دفعهم إلى التحوّل من عديمي جنسية إلى أجانب ممكن إبعادهم عن البلاد، آخذين بعين الاعتبار أن ممارسات الجهاز تشكّل جرائم منفصلة عن حرمان البدون من حق المواطنة، حيث أنه ثابت بالأدلة وشهادات الشهود أن ممارسات التضييق تدفع الإنسان البدون نحو ثلاثة خيارات محددة: الخضوع لممارسات الجهاز والإقرار له على ما يلفقه من جنسية أجنبية، والهجرة القسرية خارج الكويت نتيجة الضغط والتضييق، وأخيراً الإقدام على الانتحار نتيجة الحصار في كل جوانب الحياة وظروف القهر والإذلال التي تفرضها الحكومة على البدون. هذه الخطوات العملية هي أول وأبسط ما نتوقعه من القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والقادرين من الشعب الكويتي تجاه قضية البدون حتى لا يصل أفراد مجتمع البدون إلى مرحلة اليقين بأن الجميع متسترين على الجرائم التي يتم ارتكابها بحقهم، لا سيما الجريمة الكبرى.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد