dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
البطون الخاوية.. مشهد لا يجذب الانتباه – هديل الشمري

البطون الخاوية.. مشهد لا يجذب الانتباه – هديل الشمري

إضراب عن الطعام..

في الحقيقة لطالما تصورت أن الإنسان يستطيع التخلي عن كل شيء متى ما أراد لكني ما رأيت ذلك حقيقة إلا حينما شاهدت شبابًا من البدون يضعون الحياة تحت أقدامهم من أجل حقوقهم، هو إضراب عن الحياة وفعل مقاومة وأسلوب لإثبات وجود الصوت وإن كان صوت المعدة!

هذا ما فعله رجال البدون قبل رمضان بأيام معدودة، غضب واحتجاج سلمي على ما تفعله الأوضاع الراهنة من ممارسات وقوانين في حق البدون، تعالت أصوات بطونهم في رمضان صارخة بوجوه المسؤولين رافضة كل وعودهم.

وفي الطرف الآخر وفي ذات الشهر المبارك نشهد على آلام الطفل علي مشعل المصاب بالسرطان في المرحلة الرابعة من أجل حق بديهي وهو: جواز سفر وعلاج.

ربما تعالت أصوات بطونهم في حضور تضخم خلايا الطفل علي حتى تشهد لنا كم أن حياتنا لا تساوي في بلادهم أكثر من مشهد درامي لا يؤلم أحد غير صاحبه، فلا بطونهم الخاوية سمعها أحد ولا تضخم خلايا الطفل كان جدير بتحريك البلاد لمعاناة أطفال البدون في الصحة والحقوق المدنية.

أعي تمامًا أن المشاهد الدرامية تحمل ضجيجًا أعلى في بلادنا الملغمة بالموت! في رمضان تحديدًا يرفع الله أعمال الناس كلها، ويصوم الجميع عما يغضب الله.. لكن بلادنا تصوم عن الطعام فقط، فهذا البلد لا يرى المظلوم ولا يهتم لأوجاع الأطفال، جميعهم مشغولون بحدث درامي لا يتعدى الأربعين دقيقة ولا ترى أعينهم قضية عمرها أكثر من ٦٠ سنة من التخاذل.

"يؤلمهم مشهد ليلى عبد الله حينما تقيس وزنها وهي عارية -بأعينهم- ويزعجهم مشهد نور الغندور حينما تهز خصرها على عادات المجتمع البائس الذي لا يعرف سوى العيب ولا يعرف الحرام!

ولا تهزهم صورة أب الطفل علي حينما خرج يصرخ؛ "والله ما أبي شي الدنيا كلها ما أبيها، أبي ولدي بس" ولا يستشعرون بصيامهم تلك البطون التي أكملت الأسابيع جائعة للحياة تحت الشمس تحترق من ضياع العمر!

هذا الشعب الذي انقسم بين إسلامي يدافع عن تعاليم الدين وينسى الظلم، وبين ليبرالي يدافع عن الحريات وينسى حقوق البدون، أظنهم لا يعرفون أن هناك نساءً من البدون محروماتٍ من ثياب نظيفة ولا يحملن ثياب كافية حتى يخلعنها متى ما شئن، ولا يعرفون أن هناك بطون خاوية لا تخطو خطوتين إلا وشعرت بالثقل، ولا يعرفون أن هناك أطفال معاقين محرومون من حق الكلام والتعليم حتى يشاركونهم في تقرير مصير المسلسل.

لماذا يضرب البدون في وجود مجتمع لا مبالٍ؟ يضرب البدون لأنهم مؤمنون بقضيتهم وبوجودهم وإن هُمشت أصواتهم من قبل المسؤولين،  رغم تخاذل جميع المسؤولين إلا أن هناك شرفاء من الشعب يدافعون عن حق البدون بكل صدق، نعاني في مجتمعنا من تهميش واضح لأصوات البدون وحقوقهم فلا تتحرك لهم القوة السياسية بشراسة واضحة، ولا سياسي في المجتمع يرى حقوقهم أولوية تستحق بذل كل الجهود الممكنة، فيخرج لنا نواب تمثل الأمة بتغريدات غاضبة من أجل مسلسل لا يمثل الشارع الكويتي وفي الجهة الأخرى شارع في الصليبية أمام المخفر يتجمع به أعداد من المظلومين ولا يحرجون من هذا الشارع الذي يمثل المجتمع الكويتي، وبكل بساطة يخرج بيان من جمعيات النفع العام يرفض مشهد درامي ولا يرفض الظلم الواقع على شريحة كبيرة من المجتمع. وأخيرًا يخرج لنا مسلم البراك حتى يؤكد لنا أن أعمار البدون لا تعني لهم شيئًا في حضور وجوه سوداء من الجوع وأجساد هزيلة فلا يمتنع عن قول "من الممكن الاستفادة من البدون" متناسيًا أن البدون بشر وليسوا آلاتٍ حتى يستفاد منهم، يا رجل لقد حُرمت من وطنك سنوات.. ألم تستشعر معنى الغربة والمنفى؟ ألم تعرف معنى الحرمان؟

أكتب الآن حتى أقول أن الإيمان بقضية البدون هو الإيمان بالمواطنة أولاً وأخيرًا.. وحتى أقول ما زالت بطون البدون خاوية لكن كرامتهم حاضرة.. وما زال الطفل علي مشعل يتألم ويحتاج للعلاج كآلاف الأطفال من البدون، ورغم إني كتبت عن تخاذل المسؤولين إلا أنني أوجه تحية لكل حر يقف مع قضية البدون وأخص منصة الدفاع عن البدون وكل القائمين عليها.

رمضان كريم يا مسؤولون. 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد