dark_mode
  • السبت ٢١ / مايو / ٢٠٢٢
البدون يصرحون:

البدون يصرحون: "عط الحكومة فرصة يا عنتر!" - جهاد محمد

تحتاج التصريحات الصادرة من الجهات الرسمية إلى مدققين في اختصاصات القانون واللغة والمنطق والمحاسبة، ولربما كان أسهل من هذا كله الاستعانة بشخص آخر متمكن للإدلاء بتصريح رسمي، بدلا من 5 للأمر ذاته! ولعل أبرز حدثين خلال شهر فبراير فقط يمكن الاستدلال بهما تمثلا في إلقاء "كرة" عدم صرف مكافأة الصفوف الأمامية للبدون" وفق بند أجر مقابل عمل" بين وزارة الصحة وديوان الخدمة المدنية، حتى تطور الأمر بينهم إلى إصدار بيانات رسمية في منتصف الليل بين جهتين تعملان بنفس الفريق الحكومي تلقي كل منهما اللوم على الجهة الأخرى.

أما الحدث الثاني، فهو تصريح رسمي من الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية "البدون" شرح وفق جدول عدد الذين قاموا بتعديل أوضاعهم عبر جنسيات معلومة منذ العام 2011 وإلى ديسمبر 2021، لكن الغريب بل وغير المفهوم هو تضمن الجدول عمودا ضم تحته أرقام ما مجموعه 9090 شخص تحت خانة: جاري تعديل أوضاعهم– ممن حدد الجهاز نفسه جنسياتهم- قبل أن يضمهم الجدول في نهاية الأمر إلى مجموع من قاموا بتعديل أوضاعهم.

وحقيقة، إن تعمد الجهاز المركزي إلى فعل ذلك جاء ليغطي على فشلة الذريع بحل القضية عبر تضخيم أعداد من قاموا بتعديل أوضاعهم من البدون، حيث قفز الرقم من 9127 الى 18217، أي أن 9090 شخص لم يقوموا بذلك من الأساس وتم تلفيقهم زورا في هذا التصريح.

وبالعودة إلى آخر بيان رسمي من الجهاز بمن عدلوا أوضاعهم -26 يناير 2018-فإن 619 شخص فقط قاموا بتعديل أوضاعهم خلال أكثر من 4 سنوات من2018 إلى 2022، دون أن يأتي الجهاز في جدوله "المضحك" على ذكر خانة بتعداد المنتحرين من البدون بذكرهم ضمن جنسية "ذهبوا إلى الله".

ووفق هذه التصريحات غير الصحيحة فإن إجابة سؤال: من هم البدون؟ تحولت إلى سجال "بيزنطي" ليس له نهاية بين المؤيدين والمناهضين لهم، لكن وفق القوانين المحلية وتراتبية تحول الكويت من: سور وبادية إلى الكويت الدولة، فإن البدون هم بالضرورة من ينقسمون بين اثنين: إما المتواجدون ضمن الفقرة د. بالمادة25 من قانون الإقامة: "يستثنى من تطبيق أحكام هذا القانون افراد العشائر الذين يدخلون الى الكويت برا من الجهات التي تمودوها لقضاء اشغالهم المتعادة" او اللذين تخلفوا عن لجان الجنسية.

الخيل أماكم والبحر خلفكم!

أنشأت في مطلع ستينيات القرن الماضي لجان منح الجنسية الكويتية وفقا للمادة الأولى برئاسة الشيخ سعد العبد الله، ولربما ليس خافيا على أحد أن هذه اللجان كانت معنية بالمقام الأول في التحقق من وجود أهل البادية من المتقدمين للحصول عليها في المحيط الإقليمي للكويت خلال الفترة من 1920 الى 1950، ووفق شهادات كبار السن المتقدمين لديها فإن اختبار "المواطنة الكويتية" كان مبني على أمرين مهمين: تزكية أحد أعضاء اللجان (أو شهود معروفين لديهم) أو تجاوز اختبار الأسئلة التي كانت تنصب على أسماء المناطق والدروازات بشكل أساسي.

يروي أحد العاملين في لجنة شرق (على الأغلب كانت في ما يعرف بـشاطئ الشويخ حاليا) كيف أن أعداد المتقدمين كانت تزداد بشكل لافت يوما بعد الآخر بعد أن كانت أخبار هذه اللجنة تنتشر في البادية شمالا وجنوبا، بل إن الأمر وصل إلى مبيت البعض أمام باب اللجنة من أجل الظفر بفرصة مقابلة أعضائها، وحينما فقد رجال الأمن السيطرة على كل هذه الأعداد اضطروا إلى إشراك "الخيالة" لتفريق الحشود، الأمر الذي جعل الناس تفر من سحق حوافر الخيل إلى البحر، قبل أن يصدر القرار بوقف عمل هذه اللجان جراء هذه الحادثة.

ومن بعد هذه الحادثة، تم فتح على فترات محدودة ومتقطعة لجان منح الجنسية بموادها المختلفة لكن بشروط أكثر تشددا من الشهود أو الأسئلة عن مناطق الكويت، وقد لعبت حسابات الطامحين للسلطة دورًا في هضم حق الكثير من البدون، عبر حوادث تاريخية ليست خافية على أحد وذلك في سبعينيات القرن الماضي.

الهوية الوطنية..."من سبق لبق"

إن كنت مقيما في الكويت، أو متابعا لأحداثها السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية فإنك قرأت أو سمعت مصطلح "الهوية الوطنية" آلاف المرات في السنوات العشر الأخيرة، وليس بسخرية بمكان إن قلنا أن هذا المصطلح بات منافسا حقيقيا لمفهوم "الأيدلوجيا"! في البلاد، بل أنه اتسع بشكل فاضح ليس لدرجة أن يشكل برنامجا انتخابيا كاملا لمرشحين في الانتخابات البرلمانية فحسب بل بأن يكون بمفوم بعض أعضاء مجلس الأمة أنفسهم أنه السبب الرئيس وراء تدهور جميع الأوضاع في الكويت، حتى وصل الأدهى بالأمر بأن يطرح رئيس مجلس الأمة مقترحا في إحدى لقاءاته الإعلامية لإنشاء هيئة معنية بالهوية الوطنية من أجل كشف المزورين أو إقصاء البدون من حق نيل الجنسية، دون أن يعي رئيس مجلس الأمة أو غيره من  المتشدقين بمصطلح الهوية الوطنية أن المفهوم الحقيقي له يعني فقط الانتماء للأرض وليس الانتماء للأوراق، أي أن هذه الهيئة ستحتاج إلى أجهزة متطورة "لم تصنع بعد" من أجل الولوج إلى داخل النفس البشرية للكشف عن انتمائاتهم  وولائهم.

هذا المعيار العنصري السمج الذي يفصّل "الهوية الوطنية" ليس بحسب الحاصلين على الجنسية أو البدون بل أنه يصل إلى أماكن خطيرة في ضرب الوحدة والتعايش والسلم الاجتماعي الكويتي بالتفريق بين المواطنين أنفسهم بحسب مواد جنسيتهم أو أصولهم أو مذاهبهم أو حتى مناطق سكنهم، نجح هؤلاء بأن يروجوا بشكل لافت في السنوات الأخيرة لفكرة أن البدون خطر على الهوية الوطنية، تلك التي بنظرهم تعني مزاحمتهم في مقاعد الدراسة أو طوابير انتظار الوظيفة والسكن.

أعيد مؤخرا تداول حديث النائب السابق في مجلس الأمة رئيس الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية (البدون) إبان إحدى دور الانعقاد يتهم فيه بشكل حاد البدون بأنهم "زحفوا بالليل الأظلم ومن الشمال إلى داخل البلاد...راح تنطمس الهوية الوطنية بتجنيس هؤلاء" من دون أن ينصف الرجل الذي أصبح لاحقا رئيسا للجهاز المركزي المعني بقضية البدون من وقفوا ببسالة في 2 أغسطس 1990 بوجه القوات التي غزت الكويت!

إن "معركة الجسور" تشهد وفق قائدها البطل الراحل سالم مسعود أن نحو 800 من العسكريين البدون وقفوا ولم "يزحفوا" أمام القوات الغازية من الشمال، مسطرين بذلك إحدى أعظم القصص الأسطورية للدفاع عن هذه الأرض، في حين فضل آخرين أن يتواروا عن الأنظار في تلك الحقبة السوادء سواء بالمقاومة المسلحة أو عبر الحراك المدني.

لربما وفق منظور هؤلاء المتوارين أن الهوية أهم من الأرض، ولربما وفق أولائك الأبطال الذين ساروا إلى الموت على عجالة أن الأرض أهم من الهوية!

قطار الحل انطلق

في لوحة الختام لمسرحية الحكومة أبخص لبدر محارب، اجتمع أبطال العمل حول "البدون عنتر" مطالبين إياه بعدم الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحينما حاولوا ثنيه عن ذلك بالقول "عط الحكومة فرصة" أجابهم عنتر "الفنان أحمد جوهر": ليش الحكومة ما تعطيني فرصة!.

يبسط البدون حل قضيتهم وكأنها تتوقف على رهن إشارة من قبل السلطة أو عبر تشريع ملزم من مجلس الأمة وذلك بعد أن أضاعت الحكومة عديد من الفرص لإغلاق هذا الملف نهائيا سواء كان هذا الأمر في الدولة ما قبل الغزو أو الدولة ما بعد التحرير، هي نفسها "أي الحكومة" تعمل وفق الخطة "أ" منذ العام 1986 وإلى الآن منتهجة سياسية: التصنيف والتضييق، وقد أثبتت فشلا ذريعا في إتيان مرادها بكشف البدون لجنسياتهم المزعومة، وحينما تمخض جبلها ولد الخطة "ب" المتمثلة بالجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية، وهو بالمناسبة الابن البكر والوريث الشرعي للخطة "أ"َ.

وطالما أن سياق الحديث متعلق بالمسرح فلا بأس بأن نطمئن البدون بأن قطار حل قضيتهم قد سار في سكته المرسومة من قبل الجهاز المركزي لمعالجة أوضاعهم، فبعد نحو 12 عام من إنشائه وبعد ما يقارب 4 سنوات من تصريح رئيسه الشهير في أحد اللقاءات الإعلامية بأنه يحتفظ بـ5 ملايين ورقة على المقيمين بصورة غير قانونية، ها هو الجهاز يعلن بكشف عن 9090 منها تدل على ثبوت الجنسية العراقية على 8068 شخص.

هذا العمل العظيم للجهاز المركزي يشير إلى أن قضية البدون وبعد بقاء 4990910 ورقة بحوزة الجهاز المركزي سيتم الكشف عن 9090 ألف منها كل 4 سنوات، فإن ملف البدون سيتم حله بشكل كامل في فبراير لعام 2571... وكل عام وأنتم بخير.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد