dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
الهوية الوطنية... خطر هنا.. ولا خطر هناك.. كيف ذلك ولماذا؟! – جاسم الشمري

الهوية الوطنية... خطر هنا.. ولا خطر هناك.. كيف ذلك ولماذا؟! – جاسم الشمري

في ثمانينيات القرن الماضي.. ارتفعت أعلام الوطن على أسطح المنازل فبرزت تهمة "البحث عن مواطنة مفقودة".
الهوية الوطنية... خطر هنا.. ولا خطر هناك.. كيف ذلك ولماذا؟!
السؤال الحاضر دوما: هل من سمات واضحة للهوية الوطنية عند مدعي حمايتها؟
الهوية الكويتية فهمها المشرعون الأوائل فصاغوها قانونا للجنسية وحاد عنها المحدثون فشوهوا تطبيقه
تزدان أسطح أغلب بيوتنا في تيماء كل عام بأعلام البلاد وبأحجام متفاوتة حسب قدرة كل صاحب منزل.. وهي عادة لحظناها منذ أن وطئت أقدامنا هذه البيوت وأصبحت سكنا لنا قبل أكثر من أربعين عاما، وتتكرر سنويا في شهر فبراير بمناسبة العيد الوطني ولاحقا عيد التحرير ضمن سلوك اجتماعي كان هدفه في المراحل الأولى هو التنبيه أن من يسكنون هذا الحي مواطنون يدينون بالولاء لهذا الوطن؛ غير أن المتابع لما حول هذا الحي من أحياء يسكنها مواطنون يتمتعون بمواطنة كاملة الدسم لا يجد ذلك الاهتمام في رفع علم الدولة على أسطح المنازل في تلك المرحلة النصفية من عمر قضية البدون ولأن أغلبنا كان يرتبط بقربى تصله بأهل هذه الأحياء سواء في القصر أو الشعبيات القديمة (النعيم لاحقا) أو الواحة (الكوريات حينها) أو الجهراء القديمة لم يفت أحد من سماع تعليق أن أهل تيماء أو (الشعبيات الجديدة حينها) يريدون إثبات كويتيتهم عبر هذه الأعلام المنصوبة على البيوت التي لا ترتفع أسطحها عن الأرض إلا بأمتار قليلة لا تشكل خطرا على من يقع منها خاصة وأنها لم تكن مسورة وكانت مرتعا للأطفال من هواة الركض على الأسطح وكم من طفل هوى إلى الأرض دون أن يناله من ذلك إلا رضوض بسيطة عاد بعدها سريعا لممارسة ذات الهواية مرة أخرى.
إثبات كويتيتهم .. المزحة حينها بين ذوي القربى.. باتت التهمة التي ظلت حاضرة في المشهد الوطني بعد ذلك كلما ارتفع صوت يدين بالولاء لهذا الوطن.. ولعلها مفارقة مبكية مضحكة أن يكون التعبير عن الانتماء فعلا مجرما أو تهمة تلاحق مرتكبه وليترسخ فيما بعد أيضا من يحذر من خطر ماثل على الهوية الوطنية بسبب هؤلاء البدون.
ولعل ما كتبه أحدهم أخيرا من أن تجنيس هذه الأعداد الكبيرة من البدون يشكل خطرا على الهوية الوطنية دفعني إلى التساؤل عن حقيقة المراد بالهوية الوطنية هنا؟ ما هي ملامحها؟ سماتها؟ مفهومها؟ وما القواعد التي يمكن عبر تطبيقها القول أن: سين سيشكل خطرا عليها وأن صاد منسجم معها بلا خوف أو هاجس وجل؟
لا أحد ممن حذر من هذا الخطر الماثل، على ما بحثت، سطر جملة واحدة عن مفهومه للهوية الوطنية التي تعرف اصطلاحا بأنها مجموعة من القيم والأخلاق التي يجب أن تنعكس أفعالاً بما تعنيه من استقرار في الوطن والدفاع عنه والتقيد بنظمه واحترام قوانينه. لا أحد كتب شارحا كيف يمكن أن يكون البدون خطرا على الهوية الوطنية. ولا أحد أصلا أجاب بشيء من المنطق عن هذا السؤال: هل البدون من خارج النسيج الاجتماعي لمكونات هذا المجتمع أم أنهم من صلب تكوينه؟
حينما أقر المشرعون الأوائل قانون الجنسية في العام 1959 وقبل أن تطاله يد التشويه لاحقا بإضافات سودت نقاءه وفطرته الأصيلة، أقروا أن المواطنة الأصلية يستحقها الشخص الذي أقام في الإمارة قبل 38 عاما من تاريخ العمل بهذا القانون، ثم ذهبوا إلى أبعد من ذلك في رؤيتهم الثاقبة لخلق مواطنة مستقرة حينما ذكروا أن المواطنة الأصلية يستحقها الشخص المولود لأب كويتي أيا كان أصل اكتساب الأب لهذه المواطنة، وذهبوا إلى أبعد من ذلك في تأسيس مجتمع متطور قادر على استيعاب الوافدين الجدد إليه حينما أقروا أن مجرد الإقامة في الإمارة قبل 14 عاما فقط من تاريخ إقرار القانون كفيلة بمنح الشخص حق اكتساب المواطنة.
هؤلاء المشرعون فهموا حقيقة الهوية الوطنية فسطروها مواطنة مستحقة لمن أقام بين ظهرانيهم جيلا واحدا فقط بل وأقل من نصف جيل أيضا لأن السمات التي كانت ماثلة أمامهم حينها أن هذه الإمارة تشكلت على مبدأ واحد قوامه أن  كل من سكنها قادما من المجتمعات المحيطة بها كان ينشد الاستقرار الذي لم يجده في غيرها ولاحقا يسر وسائل الظفر بالرزق بمعزل عن منغصاته حتى وإن كان قليلا إلا أنه مرضٍ لصاحبه.
هاتان القاعدتان شكلتا في منظوري البناء الأهم للهوية الوطنية في البلاد.. وربما لاحقا أيضا أضيف لها بعض النكهات الخاصة بحرية التعبير عن الرأي دون تحفظ أمني يذكر وسلاسة التواصل الاجتماعي بين مكونات المجتمع دون عوارض تحد منها أو تقيدها.. وهو ما لا يتعارض مطلقا مع وجود البدون أو عديمي الجنسية التي قبلت الكويت وجودهم بها على مدى عقود ولم تسجل إلا لماما خروجهم على النظام العام أو قوانين الدولة... غير أن ما يثير الاستغراب ليس تناغم البدون مع موجبات الهوية الوطنية الكويتية وتماهيهم معها وإنما اختيار إقصائهم عن نسبة الانتماء لها مواطنة مستحقة بدعوى أنهم مواطنو بلدان محيطة دون سند من وقائع أو إثبات قانوني يعضد هذا الخيار.
تداخل القانوني بالاجتماعي آفة المشكلة في استعراض ملف البدون، فمن جهة لم يشكل إدراجهم ضمن السياق الإداري للدولة خطرا على الهوية الوطنية، بينما بات الحديث عن تجنيسهم يشكل هذا الخطر باعتبارهم منتمين إلى مجتمعات أخرى قد لا تحمل ذات السمات للهوية المحلية ورب قائل هنا أن ذلك ينسحب على كل الوافدين المندرجين ضمن الهيكل الإداري للدولة إلا أن ذلك في تصوري قفز على حقيقة أن الدولة تعاملت مع البدون باعتبارهم مواطنين لها لأكثر من ربع قرن وتوالى على ذلك جيلين على الأقل مثلا الأب والابن وربما الحفيد أيضا في بعض الأسر الممتدة في حين ظل الوافدون المثبت إقامتهم رسميا خارج سياق هذه المواطنة. ولعل المفارقة المضحكة هنا أن يعمد بعض المشرعين إلى طرح إمكانية تجنيس البدون إن هم عمدوا إلى استخراج وثائق رسمية لهم من دول أخرى ما يقدح كثيرا بمفهوم الهوية الوطنية والخطر الماثل عليها فذات الشخص المراد تجنيسه هنا هو ذات الشخص هناك.
وعود على بدء لاحظت هذا العام اضمحلال وجود أعلام الدولة على أسطح منازلنا، ربما لأنه لم يعد لائقا الاستمرار بإثبات كويتيتنا في محيط لا يشكل له رفع العلم أصلا دليل إثبات، وربما استوعبت الأجيال هذه الحقيقة بحثا عن إثبات آخر ربما يكون في نبش تراب البادية الشمالية بحثا عن جثامين سجيت على مدى عقود كحقيقة ماثلة لا مراء عليها، أو ربما بحثا عن وهم أوراق مخفية هناك تماهيا مع ادعاءات مضحكة في أحسن أحوالها. 
  

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد