dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
نساء تحت القيود- هديل

نساء تحت القيود- هديل

ترددت في كتابة مقالة جريئة كهذه، لكن نظرًا لكل الممارسات التي تتحملها نساء البدون والنساء من الأسر ذات الدخل المنخفض، وددت أن أكتب معاناة يتعرضن لها من قبل بعض الرجال ولا أعمم. 

انتشرت ظاهرة غير شريفة في الآونة الأخيرة في متطلبات إعلانات العمل:
"امرأة جميلة المظهر، مرتبة، أنيقة"
"يحدد الراتب بعد المقابلة"
"يطلب امرأة متفرغة" 
"يرجى إرفاق صورة"
"يفضل أن تكون غير محجبة"
المطلوب بدون أو وافدة!
 
كل مرة أرى فيها هذه الإعلانات أغضب غضباً يعبث برأسي حتى يشتعل نارًا. حقيقةً، أنا شخصياً بصفتي امرأة تملك حسابًا متفاعلًا في تويتر وصلتني بعض هذه الإعلانات من حسابات وهمية يُطلب مني "نشرها" بحجة دعم المرأة البدون والوافدة؛ لكني لستُ غافلة عما تحت السطور. كنت أغضب من كل من يحاول طلب متطلبات تحتها خطوط حمراء كثيرة وغير مفهومة! لا أستوعب كيف يتواطأ العالم أجمع ضد امرأة في مكان غير آمن على حياتها؟ امرأة تارة تتسلق الجبال وتارة أخرى تغرق بالبحر، كيف صارت معاناة المرأة استثمارًا لكل من حولها؟ كيف يستربح الجميع من قضية عمرها ٦٠ سنة من التخاذل؟

منذ فترة راسلتني امرأة تطلب المساعدة، كانت تحدثني عن رجل يحاول مساعدتها عبر تويتر وهي متزوجة ولديها أطفال وزوجها مريض ولا تملك قوت يومها. 
يقول لها هذا الرجل: 
"عطيني رقمج وأوعدج أساعدج ما خليج بس مو اهني"
وتقول لي امرأة أخرى تملك مشروعًا منزليًا عن رجل قال لها- بعد ما طلب منها-: "أنتِ بدون شفت الإعلان وعرفت انج بدون؟ شغلج ماشي؟ ليش ماتتركين الشغل وتعطيني فرصة؟" 

كان جميعهم يضعون شفرات بين كلماتهم تجنبًا لأي مسائلة قانونية. لكن في حقيقة الأمر مَن مِن هؤلاء النسوة قادرة على الذهاب إلى المخفر ورفع قضية ودفع تكاليف محامي؟ كنّ كلهن يحاولن السعي في الحياة من أجل أطفالهن! يحاولن إخفاء دموعهن بالكحل وأحمر الشفاه أمام المجتمع! لا من أجل القضايا والدخول في جدال مع رجال لا يلهثون إلا خلف مصالحهم. لستُ حزينة وأنا أكتب عن تواطؤ الرجال ضد معاناة المرأة. فمنذ آلاف السنين والمرأة تتحمل جبالاً من الخيبات ويقال عنها "عاطفية- لا تصلح للعمل". تلك المرأة التي تتخلى عن حلمها ودراستها من أجل تعليم أخيها، تلك المجبرة على تحمل خيانة زوجها بتثاقل، تلك المرأة التي تركض هنا وهناك حتى تدبر طعامًا لأطفالها. المرأة التي لا تنام لأن بطون أطفالها فارغة، تلك التي تبكي بالخفاء وتضحك في العلن. المرأة التي تعمل في الصباح وتطبخ عصرًا وتنظف البيت مساءً، هذه المرأة التي لا ترتاح حتى في نومها لأنها تخاف من وطن لا يسمعها ولا يسمع صوتًا لعائلتها! 
أشير إلى تلك المرأة التي كنت كلما خرجت إلى الأسواق "أراها تبيع أحلامها على حواف الرصيف تحت الشمس".

في حوار مع إحدى صديقاتي العزيزات جدًا قالت لي: "كنت أرى عجوزًا تبيع أمام المدرسة يوميًا، وفي إحدى المرات دخلت في نقاش مع هذه العجوز وهي مستاءة، كانت تقول لي أنها زوجت ابنتها من رجل كويتي؛ حيث كانت تظن أنها تنقذها من البؤس؛ لكن تبين أنه هارب من الكويتيات حتى يعبث بامرأة مقتولة على قيد الحياة ولا مكان ينصرها! أساء معاملتها وكان مدمنًا ويضربها ضرباً شديدًا هي وأطفالهما، وكان يمارس الزنا مع نساء أخريات".
تقول هذه الأم وهي تبكي بكاء المذنب المظلوم:
"في إحدى المرات ضربها ودافعت عن نفسها وقتلته. باعت ابنتي عمرها وضاع أطفالها من أجل أن تدافع عن حياتها المسلوبة".
تحدثني هذه الصديقة وهي تبكي قائلة: "لم أعرف ما اسم هذه المرأة المحكومة، لكنها تعبث برأسي كل فترة، ماذا حصل معها؟ كيف سارت الأمور؟ هل أنقذها الرب؟ وهل كان جرمها أن تكون عديمة جنسية حتى تقذف في فم الذئب؟" ثم قالت العجوز: "وها أنا أبيع من أجل أحفادي لعلهم يكملون حياتهم".
كنت أتساءل فيما سبق: هل معاناة المرأة بشكل عام لا تُرى؟ ثم أجبت على نفسي بكل سخط: المجتمع يتعامى عن معاناة الكويتية والبدوية ويقول "مجرد حالات فردية" فكيف بالبدون والوافدة! المجتمع يتلذذ بهذه المعاناة حتى يمرر ما يشتهي.

أكتب هذه المقالة وأنا أرى صديقاتي اللاتي تركن تعليمهن لأنهن تزوجن من رجال يمنعون تعليم النساء، أكتب للمرأة المحرومة من استنشاق الهواء، الممنوعة من السفر بسبب ورقة تثبت وجودها وتسندها في حال تعاون الرجال عليها، المرأة التي لا تستقبلها مؤسسات البلاد- لأنها لا تملك بطاقة مدنية-، المرأة التي لا تملك حق الهجرة لأن جوازها غير صالح لكل البلاد وفي حالات كثيرة غير صالح للسفر!
للمرأة التي لا تستطيع الاستقلال ما دامت في بلاد لا توظفها إلا براتب لا يسد الجوع، أكتب لبعض الرجال الذين يتزوجون من نساء ضعيفات حتى يمارسون ضدهن كل السفالة! أكتب هذه المقالة وأنا أسمع صوت صديقتي تقول "أبي أموت أبي أنتحر هديل بس ما قدر أجرح أمي بموتي" هذه المرأة التي تحمل في قلبها هموم العالم حتى وهي تموت!

أكتبها وأنا أرى صديقاتي البدون اللاتي درسن بجد ولم يعطهن الوطن فرصة عمل حتى صرن يعمل بالحضانات مقابل راتب لا يكفي البنزين! أكتب لكل من يحاول استغلال امرأة لا تخضع.
مرة أخرى أقول بغضب وليس حزن أن هذا العالم يغفل عن قوة النساء اللاتي مورس ضدهن أشد أنواع الظلم، هذه المرأة التي خدشتها الحياة حتى صارت لا تخدش، أشير للمرأة البدونية والبدوية والفلسطينية والوافدة والعاملة ولا أستثني مظلومة من مؤسسات لا تسمع أصواتنا وعائلات تهمشنا!
 الآن أوجه كلامي للمرأة التي تعمل ضد المرأة، المرأة التي لا تكف أذاها عن امرأة أضعف منها، تلك المرأة التي لا ترحمها بالعمل ولا توفر لها راتب يناسبها. المرأة في البرج العالي التي لا تنزل حتى تسمع صوت النسوة، المرأة التي تقول أنها تدعم النساء وتضطهد النساء الأقل منها.

ألستِ امرأة؟ لماذا إذًا لا تساهمين في خلق مكان أفضل لهؤلاء النسوة؟!
أنا في مقالتي هذه لا أوجه كلامي لكل القلوب السوداء لكني أكتب حتى أعريهم، أعرف أنهم لا يسمعون وأن قلوبهم كالصخر أو أشد، لكني أكتب من أجل أن يبقى صوتي حاضرًا نيابةً عن كل النسوة اللاتي اعتنقن الألم وصمتن خوفًا من المجتمع. وأطلب من العالم أن يكون أكثر عدلًا مع امرأة -تطلب حقها- أكثر وعيًا، أكثر استماعًا! 
لن أقول أن العالم أسود، نعم هنا رجال ونساء نستند عليهم وأثني عليهم ثناءً كبيرًا. لكن علينا ألا نتغافل عن كل من يحاول تمرير مصالحه فوق معاناة امرأة.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد