dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
تساؤلات: هل البدون يُشفى؟ - ريم

تساؤلات: هل البدون يُشفى؟ - ريم

‏صوت جدتي "غزيل" يصدح في حوش منزلنا إِيذانًا بنوبة اكتئاب جديدة، أسمعها تنعي بصوتها الحنون:

"سدو الباب أظن شالوا أهلنا وسدوا الباب 

يالعزاز يالعزاز مسية العافية عليكم يالعزاز 

‏قلبي ما طاب بعده يون عليكم قلبي ما طاب"

‏لطيفة غزيل، حنونة، إنسانة منظمة، لها روتين خاص، فهي لا تذهب لفراشها قبل سماع أسماء المتوفين بعد أخبار التاسعة، وتنصت جيداً لكل الأسماء، وأسال نفسي "هي ناطرة تسمع اسم منو؟ أهلنا كلهم بدون، ولن تذاع أسماؤنا على التلفزيون ونحن بدون!"

‏بعد سماعها لأسماء الوفيات، تذهب إلى فراشها، تسند ظهرها وتبدأ بالدعاء لكل أبنائها وأحفادها وإخوانها وأولادهم وكل عزيز على قلبها بهذه الصيغة "فلان وعويله"، تدعو الله موقنة بحفظه. 

‏تنام؟ ربما ...

‏وتمر أيام كثير على غزيل دون أن يغمض لها فيها جفن، فحين تكون في نوبة هوس لا تنام.

رافق ‏"غزيل" المرض والرفض منذ طفولتها، ولم تملك شيئًا سوى "ثنائي القطب"، حيث عاشت شهورًا طويلة داخل مستشفى الطب النفسي قبل ولادتي.

‏تزوجت ابن عمها الذي أحبها وهي طفلة، وعانت كثيرًا من نوبات أخرجتها عن السيطرة، وأدخلتها المستشفى لشهور عدة، كبر الأبناء وهي بعيدة عنهم.. كبروا فجأة ..

‏وكانوا عونًا لها وسببًا في تحسن حالتها النفسية بعد نبذ مجتمعها لها. أجادوا احتواءها، وعرفوا كيف يخففون عنها عند مرورها بنوبات الاكتئاب، ومراعاتها وتفهم حالتها عند نوبات الهوس.

"الاضطراب ثنائي القطب، عبارة عن حالة صحية عقلية تتسبب في تقلبات مزاجية مفرطة تتضمن الارتفاعات (الهوس أو الهوس الخفيف) والانخفاضات (الاكتئاب) العاطفية. عندما تصاب بالاكتئاب، ربما تشعر بالحزن أو اليأس وفقدان الاهتمام أو الاستمتاع بمعظم الأنشطة. عند تحول حالتك المزاجية إلى الهوس أو الهوس الخفيف (الأقل حدة من الهوس)، ربما تشعر بالابتهاج، أو الامتلاء بالطاقة أو سرعة الغضب على نحو غير معتاد. من الممكن أن تؤثر التقلبات المزاجية المذكورة على النوم، والطاقة، والنشاط، والقدرة على اتخاذ القرارات، والسلوك والقدرة على التفكير بوضوح."

‏الاضطراب ثنائي القطب يمثل حالة مزمنة مدى الحياة مثل بدونيتها .

‏أتكلم عن جدتي حتى أبيّن للناس من حولي ولمجتمعي بأكمله أن العلاج النفسي ليس عارًا ولا يقلل من قيمة الإنسان .

‏وأشير هنا إلى البدون المحروم من العلاج بسبب بطاقة "لا تعتبر هوية" أو من العيادات الخاصة وأسعارها الخيالية! 

‏تقول صديقتي: "أنتي من صجچ؟ أروح دكتور نفسي جلسته بـ 80 دينار وأنا معاشي 150!"

‏وقد يخجل البعض من مراجعة طبيب نفسي تحاشياً لوصمة العار من السفهاء .

‏انتشر على تويتر وسم #لا_لانتحار_البدون‬، غرد فيه البدون وغيرهم للتوعية والتأكيد على أن الانتحار ليس حلًا، ووصلتني مشاركة على الرسائل الخاصة بعد مشاركتي بهذا الوسم من فتاة بدون تقول: "بعد عناء، كانت جلستي الأولى مع دكتوري النفسي بكيت أمامه وأنا أردد ما أبي أنتحر! تعرف بدر؟ سألت الدكتور. رد علي باستغراب: لا، منو بدر؟

بكيت، وقلت له: بدر مرسال، أخرجت صورته من هاتفي وسألته: يشبهني؟

‏"أحس يشبهني أسمر، بشوش، محبوب جدًا، بنفس عمري، حوله أصدقاء بس انتحر؛ لأنه بدون أنا ما أبي أنتحر".

‏تقول: هذه زيارتي الأولى بعد محاولة انتحار فاشلة مثل كل مخططاتي للحياة. شُخصت حالتي بالاكتئاب وأخذت خطوة حقيقية نحو الاستمرار في هذه الحياة والتأقلم مع الاكتئاب إلى حين خروجي من هذا الوطن لأنني لن أشفى في نفس البيئة التي جعلتني مريضة، وقد قالها دوستويفسكي: "غادر.."

‏الرسالة الثانية من فتاة أيضًا، تقول فيها: "بعد تحفظي على زيارتي للدكتور النفسي والذهاب له في السر خوفًا من علم عائلتي بهذه الخطوة واستخدامها ضدي، لأنهم قد يستخدمون ذهابي إلى الطبيب النفسي حجة لإسقاط الأهلية عني وحبسي في مستشفى الطب النفسي. لا أثق بالطب النفسي فتعاملهم معنا نحن النساء مرعب، سمعت قصصًا ضاعفت من نوبات هلعي وخوفي واكتئابي. أعود إلى جلستي الأولى مع دكتوري بعيادته الخاصة، حيث سألني: ما الذي يزعجني؟ أخرجت بطاقتي التي لا تعتبر هوية، وطلبت منه قراءة خانه الجنسية، قالها بتعجب: "إرتيرية؟؟" 

‏سألته: من؟ أنا؟ 

‏أنا لم أزر إرتريا يومًا، لم آخذ من سمرتهم شيئًا! أتحدث العربية بلهجة كويتية!

‏أخذت بطاقتي من يده، وقلت له: "هذه مو أنا! هم يبوني أكون هي"

‏وتقول: "انتهت فترة علاجي السلوكي والدوائي، وأنا بحال جيد ولله الحمد".

‏انتهت رسائلهن، وبقيت "غزيل" بقلبي ثابتة، لفظت أنفاسها في ٢٠١٩ في حضن حفيدتها وداخل سيارة ابنها البكر المفضل لديها، وفي حضور ابنتها الوحيدة. أغبط غزيل كثيرًا، فمن منا يدري بأي حضن يموت؟


ربما ريما.

 
* صورة المقال لبهبهادي

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد