dark_mode
  • الخميس ٢٠ / يناير / ٢٠٢٢
التفاؤل سمة الأقوياء.. فهل بقي للبدون من قوة يتفاءلون بها في قابل الأيام؟! - جاسم محمد الشمري

التفاؤل سمة الأقوياء.. فهل بقي للبدون من قوة يتفاءلون بها في قابل الأيام؟! - جاسم محمد الشمري

·        الاستبشار موطنه أن الأوضاع لن تسوء أكثر مما ساءت..

·        البعض يؤكد.. قوة البدون في تماسكهم.

·        آخرون يرون ضوءًا في آخر النفق.. كسر طوق الحصار الخيار لأفقٍ يعالج القضية.

ما إن بدأ الحوار الوطني حتى استبشر عشرات البدون بأن ثقبًا في جدار أظلم قد يفتح لهم بارقة غد أجمل، وذهب بعضهم إلى التغني بقول الشاعر: أعلل النفس بالآمال أرقبها // ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

وعلى مدى ستين عامًا ماضية كان التفاؤل سمة "البدونيين" إن صح الجمع، وكانت صحف البلاد المختلفة تعزف على هذه النغمة حينما تمنيهم أن حل القضية سيكون خلال أشهر نقلا عن لسان مسؤولين في الحكومات المتعاقبة وفيما كان بعضهم يحدد سقفها بأشهر عدة ذهب آخرون في نسج وعود لأقرب من ذلك.. وليظل "البدونيون" بين هؤلاء وأولئك حمائم ابتسام ولسان حالهم المقولة- التي لا أعلم مطلقها-: "أجمل وأروع هندسة في العالم أن تبني جسراً من الأمل على نهر من اليأس".

ربما كان هذا التفاؤل المفرط والثقة بأن ضوءًا ما سيسطع في الأفق إيمانًا بأن لا شدة إلا وبعدها فرج تمثلًا بقول الشاعر: ضاقت فلما استحكمت حلقاتها // فرجت وكنت أظنها لا تفرج.. أو ربما أعمق إيمانا من ذلك امتثالًا لقول الرب عز وجل: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)" - سورة الشرح، وعليه لن يغلب عسرٌ يسرين على أكثر أقوال المؤمنين بنهج الاستبشار.. إما خير فخير وإلا فلن تسوء أكثر مما ساءت.

وهنا أستحضر حكاية من التراث عن شاكٍ من ضيق مسكن يقطنه وأسرته الكبيرة؛ فذهب يستعطف حاكم قريته لعله يرق لحاله ويمنحه مسكنًا أوسع، فما كان من الحاكم إلا أن وجهه لشراء بقرة وضمها إلى قاطني البيت وتجربة ما سيكون؛ إلا أن البيت ضاق أكثر؛ فنصحه بشراء خروف، فضاق البيت أكثر، وأخيرًا نصحه بشراء حمار- أجلكم الله- فلم يعد في البيت متسع لنفس، وحينها أمره ببيع الحمار فاستشعر بعض التحسن، ثم أمره ببيع الخروف، فكان التحسن أفضل، وأخيرًا أمره ببيع البقرة؛ فجاء الشاكي شاكرًا لأنعم الحاكم الذي وسع عليه بعد ضيق حال.

وهي حكاية مبكية أكثر منها مضحكة حينما يُمنّي أبناء البدون أنفسهم بالعودة إلى أوضاع ما قبل ألفين وعشرة تماما كحال المثل الشائع عن غارم لم يرتض بالخروف فرضي بجزة وخروف غرامةً على صنيع سوء ارتكبه، ولمن لم يستوعب المثل فإن هذا الشخص حكم عليه بتقديم خروف كغرامة، فلما لم يرض بذلك حُكم عليه بالخروف وصوفه أيضا نكايةً به، وهو حال كثير من البدون الذين كانوا يشكون من أنهم عديمو الجنسية فارتأت السلطات المتصرفة بأمرهم نسبتهم إلى جنسيات متناثرة هنا وهناك دون دليل، وبعدما كان المؤمل الحصول على المواطنة بات الأمل إلغاء هذه القيود الوهمية.

ويظل التساؤل بعد ذلك مطروحًا كما صاغه المغرد teacher_itc في الخامس من نوفمبر حينما كتب: "البدون كلما سمع خبر حلو عن العفو أو الحوار الوطني يقول في شي عن البدون؟

- هل هي سذاجة؟ أم بقية أمل؟"

واستطرادًا سألته، وهو الأربعيني بمؤهل جامعي ويعمل مهندسًا دون أن يحدد جهة عمله، عما إذا كان هو شخصيًا يجد مؤشرات للتفاؤل ليجيب بالقول: لا توجد مؤشرات إلا تصريح النائب حسن جوهر وتغريدة النائب عبيد الوسمي ابتسموا.. مضيفًا أنه غير متفائل ومن واقع التجربة فإما أن يكون هناك حل إيجابي أو آخر سلبي، وليقرر جازمًا: صدقني ما عادت تفرق مع البدون.. هم يريدون الخلاص فقط. ثم يستدرك قائلًا: البدون يملكون قوة لا يريدون استخدامها وهي قوة الجماعة، سأتفاءل فقط حين يتحد البدون.

ومن هذا المغرد الذي تمترس خلف اسم مستعار إلى د. عبد العزيز ذي الأربعة والخمسين عامًا والذي يعمل مدير تدقيق في شركة مالية ويبدي تشاؤمًا حيال بارقة أمل تلوح في الأفق ويقول: لا مؤشرات تدعو للتفاؤل لمعالجة جادة لملف البدون ولا أتفاءل بحل إيجابي للقضية، ويضيف: القضية مهملة متروكة للزمن، وأصحاب القضية هم من يجب أن يجدوا حلًا لأنفسهم أو مخرجًا، ويستطرد بالإجابة عما يملكه البدون من خيارات بالقول: هم يملكون الكثير من بناء الذات وتطوير القدرات إن كان بالتخصصات العلمية أو باقتحام الأبواب التجارية المختلفة لكسر الحصار المفروض عليهم، ولا طريق لهم لمقاومة القرارات العنصرية إلا بالاجتهاد وبناء جيل متعلم يتميز بالمهارات المهنية الكاسرة لهذا الحصار.

أما رحيم، وهو في السادسة والخمسين من عمره المديد والذي توقف في تعليمه عند الثانوية العامة وامتهن الأعمال الحرة كما أراد أن يعرف بنفسه، فقد كان كمن يسير في طريق واحد لا ثاني له إذ يقول: لا نملك إلا التفاؤل، ثم يشرح بأن هذا التفاؤل هو سبب القوة التي نمتلكها بصفتنا بدون، ويضيف: هناك أيضًا معطيات مبشرة فالأوضاع الإقليمية والضغوط الدولية ووعي أصحاب القضية وانتشارهم إعلاميًا كلها عوامل تصب في خانة هذا التفاؤل، ويضاف إلى ذلك حسب وجهة نظره ما يجده تغيرًا في فكر مؤسسي القضية ومطالبات بعض المؤثرين الشرفاء بمعالجة جذرية لها.

الاستبشار الذي عم أوساط البدون عند الإعلان عن إنجاز مقترح الحقوق المدنية والإنسانية لهم ثم إدراجه على جدول أعمال مجلس الأمة يفضي إلى حقيقة وحيدة مفادها أن هؤلاء الأفراد الذين حرموا المواطنة عقودًا طويلة لا مطمع لهم إلا حياة كريمة، بعدما عجزوا عن الذهاب إلى أبعد من ذلك في رسم حالة من التفاؤل لأوضاع لا تجنح إلا إلى تشاؤمٍ على تشاؤم.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد