dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
الوجه الآخر

الوجه الآخر

 

كان يوماً من شهر أكتوبر من سنة 2018 وكانت رسائل بين أصدقاء قدامى وكانت أكواب قهوة وساعات حديث من التأمل في قصص الإنسان، حديث حول خطورة السكوت وعبء التقصير. بدت أحاديثنا تدور في دوائر انغلقت علينا منذ سنوات، دوائر لم تسجن أحاديثنا فقط ولكن مشاعرنا وضمائرنا كذلك. كان لا بد لشيءٍ ما أن يحدث، كان لا بد "لأضعف الإيمان" على أقل تقدير أن يظهر نفسه على صفحات حيواتنا، كان لا بد من متنفس ما في جدران دوائرنا المغلقة، فتبدى البصيص في كشف المعلومة، وتجلت الخطوة الأولى في الحديث الصريح والقول المباشر، وتبين أضعف الإيمان في التغيير بكلمة، فكانت منصة الدفاع عن بدون الكويت.


مجموعة أصدقاء كنا، صداقتنا بحد ذاتها موقف أصررنا عليه، فحتى حين وزعتنا الدنيا على أنحائها وباعدنا الوقت والظرف ومشاغل الحياة، بقيت غصة السكوت وعبء المعلومة المخبّأة وتأنيب التقصير يلاحقوننا ليجمعوننا مجدداً، ثم ليحولوننا من أصدقاء إلى أقدار مترابطة. جَمعُنا غريب، من يراه يعتقدنا قد خططناه، بأنواعنا المجتمعية والعرقية والطائفية والأصولية المتباينة، وكأننا تقصدنا تعارفنا لنثبت موقفا. إلا أن شيئًا من هذا لم يكن مخططاً له، جمعتنا صداقة مصادفة لتربط عليها وعلى قلوبنا سوياً القضية النبيلة الإنسانية العظيمة، قضية عذابات الإنسان عديم الهوية الورقية، عظيم الهوية النفسية والمجتمعية، قضية ندين لها ولأصحابها ليس فقط بربط أواصر صداقتنا، في جمعنا حين شتتتنا الأقدار والظروف، ولكن كذلك في جعل كل فرد منا إنسانا أفضل، ذا ضمير أكثر وعياً، ذا هدف حقيقي في الحياة. أعطت القضية لحيواتنا العادية معنى، ربطت أواصر صداقتنا، وصنعت لنا منصة، عسانا نبقى نستحق الوقوف عليها.


وهكذا ظهرت منصة الدفاع عن بدون الكويت في يوم 26 ديسمبر 2018 حساباً بسيطاً على تويتر، لتكبر هذه المنصة بأعضائها الحقيقيين، بدون الكويت، الذين تبنوا مباشرة المنصة وأصحابها، فاحتووها ووثقوا فيها وأشركوها في المعضلة ومقترح الحل. اهتمت المنصة دوماً برؤية القضية بعيون أصحابها، بتتبع خطوهم اليومي، والذي من خلال تفهمه وقراءته، يمكن البدء بفهم المعاناة اليومية الحيايتة، المعاناة الجمعية السياسية والاجتماعية، والمعاناة النفسية والروحية. لقد وفّر اقتراب المنصة من القضية منظورا مختلفا لأعضائها، مكّنهم من التقاط بُعدٍ لهذه القضية عادة ما يكون عصيًّا على الرؤية والتقييم والفهم لأسباب العزل والإقصاء والتغريب، وجميعها أسباب ضربت المجتمع البدوني على مدى عقود من الزمان. تبدت الصورة واضحة، في حجمها الكبير وفي تفاصيلها المنمنمة الصغيرة، في العنوان الرئيسي: أن تكون عديم جنسية، محروم الهوية، مُغَرَّب الانتماء، وفي العناوين الصغيرة اليومية: أن تحتاج لزيارة مركز صحي ببطاقة منتهية الصلاحية، أن تود زيارة بيت الله الحرام بجواز مُقصٍ أصلاً وعصي على التجديد، أن تحاول تسجيل أبناءك في المدرسة، أو قيادة سيارتك من شارع إلى آخر، أو مجرد شراء هاتف خلوي باسمك، أن تتعذر جميع هذه السلوكيات اليومية المعتادة؛ لأن الأرض التي ولدت عليها والتي حارب أبوك ومن قبله جدك فداءً لأمنها، لا تعترف بك جزءًا من هويتها. تفاصيل منمنمة صغيرة هي تلك، تَعبرنا دون أن نستشعرها، تحصيل حاصل هي في حياتنا اليومية، إلا أنها في واقع عديمي الجنسية عراقيل ضخمة، عقبات هائلة تشلّ الحياة اليومية وتهدر أيامها.


بدأت المنصة كاعتراف بسيط بالواجب العظيم، كتحرك بطيءٍ في مسار طويل معقد، كأضعف الإيمان حين كان أشده مطلوباً. هذه المجموعة التي تأسست كاستجابة مستحقة لحقوق إنسانية مهدرة هي في أعناقنا جميعاً، سرعان ما تحولت إلى تجربة حياتية مزمنة، حين أضافت بعدا إنسانيا هائلا إلى نفوس أصحاب المجموعة، حين حوّلت كلّا منهم إلى شخص أكثر وعياً، أكثر قدرة على فهم الجوانب التي قد تكون خفية على الشخص المستقل، والأهم حين مكنت الأعضاء من أخذ بعض الخطوات المستحقة التي لطالما كانت عصية عليهم وهم متفرّقون. في البداية كانت الكتابات والكلمات، والتي تطورت إلى مواد مرئية ومسموعة. ربطت هذه المواد وعي المجموعة بحقائق ودقائق القضية، وتحولت العلاقة الحقوقية لعلاقات صداقة وعشرة وثقة عميقة. ثم أتت الخطوة المهمة والتي من خلالها شاركت المنصة عددا مُهمّا من الحقوقيين والسياسيين والمحامين وفقهاء القانون والخبراء الدستوريين في صياغة قانون يعد هو الأول من نوعه من حيث شموليته وبعده الإنساني ورصانته القانونية وإجماع المؤسسات المدنية والحقوقية عليه، وذلك تحت مظلة مؤسسة مجتمع مدني فاعلة في قضية عديمي الجنسية ألا وهي جمعية المحامين. أتى هذا القانون ليعلن أن الحل الإنساني العادل المعتمِد على عدالة القضاء وسيادة الدولة ورحمة المنظور الإنساني ممكنٌ، بل هو الأفضل تطبيقاً وتفعيلاً إذا كان الغرض هو إغلاق ملف انعدام الجنسية في الكويت إلى الأبد. هذا ولا يزال هذا القانون يتحرك في أروقة مجلس الأمة، ولا يزال الحقوقيون يلاحقونه، في محاولة منهم لجلبه إلى أرض الواقع.


وأخيراً، مع اكتمال العام الثاني من عمر المنصة، أتى ظهور العدد الصفر من صحيفة بلاتفورم الإلكترونية: "منصة البدون وصوتهم"، وهي صحيفة ستصدر شهرياً لتكون صوتا إعلاميا متفردا في إظهاره الصورة "الأخرى"، الوجه الخفي للقضية الشائكة، الحقائق المخبوءة على مدى عقود والمدفونة أسفل أكوام من التهييج الإعلامي والتناقل الترديدي المجتمعي لجمل يكررها العديدون في الشارع الكويتي دون أن يفهموا المعنى الحقيقي لها أو يعرفوا مصدرها أو يقدروا تبعاتها. هكذا تتكرر الادعاءات: "هم يخبّئون الجوازات، يتلفون الأوراق، يتنصلون من الأصول" لتتحول هذه الادعاءات المنفردة مع مرور الزمن إلى جمل عصابية كليشيهية، تتردد دون أن يفقه مرددوها المعنى الحقيقي لها، دون أن يتساءل أحدهم عن مفهوم "تقطيع الأوراق" أو التنصل من الأصول، وأي أصول هي تلك، ومدى ابتعادها عن أصول الكويتيين المجنسين تأسيساً. ترى كم لنا أن نرزخ تحت تأثير إعلام يطعمنا الأفكار إطعاماً دون أن يرده تساؤل أو تشكك أو محاولة استفهام؟


وهكذا تجلى العدد صفر من صحيفة بلاتفورم يوم 26 ديسمبر من سنة 2020، عدد يفتح الباب للصوت المكتوم لعقود طويلة من الزمن، عدد يتجرأ ليواجه قُرّاءه بالحقيقة، ليطلب منهم أن يطّلعوا، في خضم المواد الإعلامية الهائلة والمتاحة، على مادة نادرة مكتوبة بأقلام أصحاب القضية. وُلد العدد صفر مع اكتمال السنة الثانية من عمر المنصة، ليشير من خلال صفريته إلى تجربة فريدة في قسوتها الإنسانية. هو العدد صفر من حيث إشارته لجمود القضية واستاتيكية مجرياتها و"صفرية" الحلول المفعّلة لإنهائها. هو العدد صفر في إشارة إلى استمرار دوران القضية وأصحابها في حلقة مفرغة هائلة لا تنتهي، يدور في رواقها الضيق أصحابها ويلتفّون ويعودون، لا القضية تنتهي، ولا الطريق الدائري الملتف المجنون إلى وصول. هو العدد صفر من حيث كونه نقطة، نقطة سوداء ستبقى نافرة جامدة مؤلمة إلى الأبد على وجه تاريخنا، نقطة لن تلبث أن تكبر أكثر فأكثر ما لم تجد إرادتنا المجتمعية طريقها إليها. هو العدد صفر، العدد الذي يقول إن قضيتنا الإنسانية الأولى "مكانك راوح"، وأن نتيجتنا المستحقة كمجتمع كامل في امتحانها الخطير هي "صفر."


اليوم 26 يناير 2021 نقدم لكم العدد - 1(سالب واحد)، عدد هبط درجة عن صفر لم نتوقع أن نهبط عنه، إلا أننا هبطنا، هبطنا بتقاعسنا وتكاسلنا وطول انتظارنا، بتراخي جهودنا الإنسانية، وبتأخيرنا الممتد للحلول العادلة القاطعة. أن تصعد عن الرقم صفر يعني أنك تحقق إنجازاً، تأخذ خطوة إلى الأمام، وإلى أن يتحقق ذلك فعلياً على أرض واقع قضية البدون، إلى أن نحقق إنجازاً ونأخذ خطوة إلى الأمام، ستبقى أعداد صحيفة بلاتفورم تتوالى هبوطاً بأرقامها السالبة التي ستعكس استمرار التأخر والتقاعس والـتأجيل، تأجيل حيث لا تحتمل ظروف الحياة اليومية وتقاعس تجاه أقدار سينتهي، أي هذا التقاعس، إلى إتلافها وهدرها بلا فرصة تصويب. سنبقى نهبط سلباً إلى أن نأخذ خطوة إلى الأمام، سنبقى في "الناقص" ما دام مجهودنا ناقصاً، ما دمنا نتهاون في أعمار الناس وأقدارهم وحيواتهم، وذلك إلى أن نتحول إلى "الزائد" حين نعطي لكل حياة إنسانية قيمة وحين نرفض أن نرى الإنسان يهان وحين نصر على أن تكون الهوية الوطنية المتغنى بها هوية عميقة حقيقية، تذهب لأبعد من عرق أو دم، إلى ما هو أهم من الوجود والتاريخ، إلى ارتباط روحاني وإخلاص حياتي، ومعايشة يومية راضية، وتمسك حقيقي بالأرض والوطن. سنتحول إلى الموجب، حين يتحقق أول المستوجب، حين نرى بوادر صون الإنسان ونهاية الامتهان. سنتحول إلى الموجب مع أول خطوة إيجابية فاعلة، مع أول بادرة أمل حقيقية، مع أول بصيص نور واضح. حينها، وحينها فقط، سنستحق أن نصعد إيجاباً، حينها سنستحق أن نكاثر إنجازنا الإعلامي بالأرقام المتزايدة المرتفعة. ننتظر وإياكم هذا اليوم، فمدوا أقلامكم باتجاه صحيفة بلاتفورم، احكوا لها وخاطبوا أصحابها، أعطوا الوجه الآخر فرصة، لربما تتجلى الحقيقة في قسماته.

  

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد