dark_mode
  • الإثنين ٢٥ / أكتوبر / ٢٠٢١
أطفال البدون – هديل

أطفال البدون – هديل

تضخمت أفئدة أطفال البدون بالتراكمات.. بالمناظر التي لا يستوعبها عقل طفل ولا يقدر عليها قلب طفلة.. امتزجت ذاكرتهم بصور الأحزان ومناظر الاعتقالات التي لا يسعني أن أقول إلا أنها "تسرق البراءة من عقولهم الحائرة ما بين ماذا فعل أبي؟ وما جريمة والدي حتى يرمى في السجن؟ ولماذا هاجر أبي وترك المنزل؟!".. يتلاشى الأمان من قلوبهم في كل مرة ينام فيها هؤلاء الأطفال ولا يسمعون أصوات آبائهم بالمنزل.. كمن لا يملك مفتاحًا يقفل على نفسه في المنزل؛ فيبدو بيتًا لا أمان فيه معرضًا للسرقة في أي وقت. هكذا تتضخم قلوبهم بما لا جرم لهم فيه.. فيمضي كل طفل منهم أيامه باحثًا عن بقايا وجه أبيه في كل زوايا المنزل، عن عطره الذي اختفى في الثياب، عن صوت أبيه الذي يذاكر له في الطريق في السيارة، وحتى في النوم! فهذه الطفلة لا تنام إلا على قلب أبيها، فحتى النوم صار موحشًا بعد غياب والدها؛ فيزداد البيت ضيقًا على الأطفال، هذا الطفل الذي لا يعرف من الحياة سوى اللهو يشيخ في لحظات غير مستعد لها. فنحن البدون لا نملك بيوتًا بالأساس، ولكن تتسع بيوتنا باتساع الحب.. فماذا لو بات الحب بعيداً، أي ضيق أكثر نحتمل؟

‏يكمل الأطفال الشهور والأيام وكل منهم يسمع والدته تشرح لصاحب البيت أن الوالد معتقل وتطلب منه أن يصبر على الإيجار.. والآخر يكبر بعقله الممزوج بالطفولة الغاص بالوجع فيفكر عرض ألعابه للبيع لعلّه يستطيع مساعدة أمه!

‏والآخر لا يشتهي ولا يشير للحلوى حتى لا يحرج أمه التي لا تملك إلا الدموع!

‏والطفل الآخر يكره المدرسة ويرفضها رغم اجتهاده لأنه يسرق الكلمات من الحائط فيرى كيف تشكو أمه لأختها أنها ستبيع أغلى حلق لها حتى يكمل تعليمه!

‏يكبر هذا الطفل فجأة وتبقى علامات الحسرة على قلبه مهما مضت به الحياة ومهما أخذ ٧٠ حلقًا لأمه ما استطاع نسيان نظرات أمه وهي تودع حلق زواجها ولا صوتها الذي يعوم ببحر من الأسى ومحاولاتها لإخفاء دموعها في حنجرتها.. أمي لا تملك إلا قلبها لذلك نختبئ خلف هذا القلب بعد غياب والدي، ويصر هذا الطفل على إكمال تعليمه حتى يكون فخرًا لوالديه.. لكن تمضي الأيام ولا تزول آثار هذه الندبة من قلب الطفل.. فما عاد كما كان منذ تلك اللحظة..

 

‏وطفل يحاول الخلاص من الحياة ولا يعلم كيف الطريقة، يود تخفيف مصاريف والديه، وطفل يقف بالشمس يتحسس مع كل بطيخة تباع حرقة العمر ويرى الأطفال بالشوارع مع عائلاتهم بملابس المدرسة وهو لا يملك سوى بطيخة!

‏مع كل بطيخة يحترق مرة من الشمس و١٠٠ مرة من الوطن.. وطفل لا يعود يحب والده لأنه يرى في التلفاز أن الشرطة لا تسجن إلا المجرمين.. فكيف يستوعب أن جرم أبيه هو المطالبة بحقوقه وحقوقهم وكيف يفهم أن هذا الوطن لا يرحب بوجودهم وكل الجريمة هي وجودنا على هذه الأرض.. أيهم أشد وجعًا على قلب هذا الطفل جرم أبيه أم أنه عديم وطن؟

‏فلا ينام هذا الطفل إلا وهو يبكي لأنه ما رأى في والده صورة الأب المثالي.. فيعتقد أن أباه مجرم ولا تشرح له والدته حتى لا يستوعب حجم الدمار في كلمة بدون!

 

‏دعونا الآن نفكر كم واحدًا منا سُرقت طفولته؟

‏كم طفلًا بدونيًا شهد موقفًا ما زال يجرح ذاكرته حتى اعتاد الجروح.. كل شخص بدون يقرأ الآن تجتاح عقله مواقف وجروح لا تخضع للنسيان!

‏فهذه الطفلة فاطمة تحلم بالسفر مثل بنات خالاتها ولكن لا تعرف ما هو شكل الطائرة..

‏وهذا الطفل أحمد يحلم بأن يكون ضابطًا، فكيف أشرح له أنه لا يملك ورقة حتى يحلم بالدفاع عن وطنه.. فقيمة الورقة هي من تثبت انتماءك.

‏وهذا الصغير ناصر يعشق كرة القدم ومحروم من منتخب الكويت، كيف يستوعب عقله الصغير أن المنتخب لا يخصنا!

 

‏ودعونا نتكلم عن أطفال الناشطين الشجعان كيف كبرت عقولهم بالهموم وكم صار أصغرهم أشد وعيًا؛ هذه الطفلة غلا أكبر من عمرها بكثير، تكلمني فأشعر أنني أكلم بنتًا ناضجة تشير إلى الأشياء بعقل يكبرها!

‏(أبلة هديل أنا أبي أصير كاتبة مثلج عشان أكتب وأكتب وأكتب)

‏وماذا تودين أن تكتبي يا غلا؟ عن كل الأحلام وكل الأشياء وعن أبي، أبلة أبي أصير شجاعة مثل أبوي.

‏لماذا كبرت غلا في عمر ١١ حتى تفكر بأن تكون شجاعة؟ ولماذا علينا أن نكون شجعانًا؟

‏هكذا غلا اتسعت عيناها حتى ترى أن حياة البدون تتطلب شجاعة حتى نكملها.. حتى نكمم أفواههم التي تتعنصر ضدنا..

‏وهذه فوز الصغيرة جداً عاقلة حتى أنها تستوعب فراق الأب وتفطن له، هذه الطفلة التي تلاعب قلبي!

‏وسارة التي لا تعرف من الحياة سوى ضحكات أبيها.. ما أكملت الأربع سنوات، فمن سمح لهم سرقة أبيها؟ يتوحش قلبها بفراق أبيها فتغدو حزينة يائسة رغم صغر سنها.. تبحث عن وجه أبيها بكل الوجوه وكأنها ضائعة!

‏وهذه شفاء التي كانت شفاء لقلب أبيها وكان غياب صوته فقط الداء لها، هاجر أبوها وصارت كل الأشياء ناقصة في المنزل، كل الوطن داء.. شفاء التي علمها أبوها الحب.. صارت الأيام قاسية عليها بعد رحيله وربما أبوها صار أقسى وصار يزرع الأشواك بقلوب أحبابه والداء بقلب طفلته.. بفعل غربة الوطن تجرد من مشاعره فصار قلبه كالبيت المهجور كل من يدخل هذا البيت لا يجد سوى أصوات البكاء، فلا أكملت حياتها بعد قسوة غيابه ولا عوضت حنان أبيها الذي صار أنانيًا بظلم الوطن لا يفكر سوى بالعثور على نفسه التي فارقها في الكويت.. لا يفكر سوى في البحث عن دواء له بعد أن ترك الشفاء في الكويت مجبراً.. ينازع نفسه!

‏دعونا لا ننسى الطفل علي الذي علق أحلامه على حبل المشنقة وتجرد من كل الأحلام حتى حلقت روحه مع الطيور.. فعلي هذا كانت قيمة حياته بقيمة أحلامنا الضائعة في عيونهم لا تساوي أكثر من ١٢ دينارا!

‏علي الذي لا يعرف من الحياة سوى بلايستيشن، كبر بالفقر.. كبر بكلمة " لا ما عندي يا يبا سامحني والله ما عندي".

‏يا الله يا علي من أين لقلبك الاعتياد على كلمة لأ منذ الطفولة يا صغيري، فهذا علي قرر ألا يكمل حياة كل أبوابها تؤدي إلى "لأ".

‏علي لم يشنق نفسه.. إنما شنق آلامه وأحلام إخوانه وأحزان أبيه وحسرة والدته، حاول تعليق كل الخيبات.. حاول التجرد من لعنة الفقر!

‏أترى علي كان يعرف لعنة الهوية؟ أم ما كان يفرق بين الإفقار والفقر!

‏آسفة علي حبيبي.. قلبك ابتلعك في وقت مبكر.. نضجت حتى رأيت معاناة البدون في وقت لا يستوعب عقلك حتى تصبر.. أو من أين لقلبك الصغير أن يعيَ الصبر؟

 

‏وعلينا في كل مرة نشتم رائحة الورد أن نتذكر الوردة جراح الذي دهس قبل أن تفوح رائحة عطره.. جراح الذي عاش حياته بجرح لا يشفى، دهس كما دهست طفولته وبراءته وما تبقى من حياته سوى ٨ دنانير قيمة الطفولة، الطفل الذي تراكمت دموعه تحت السيارة حتى يغرق بها.. الطفل الذي حُرم من الدراسة واللعب حتى يحمل على ظهره مسؤولية عائلة، حتى يسقي بدموعه الورد، لا ذنب له سوى أنه خلق في مكان لا يرى الإنسان.. فاجعة الطفل جراح ستبقى جرحًا ثائرًا في قلب كل حي وسنبقى نحن البدون مفجوعين بقلوب أطفالنا التي لفظت الحياة قبل أن تضحك ولو لمرة..

‏ماذا تعرفون عن أطفال البدون؟

‏الحديث عن أطفال البدون لا يُختصر في أحرف جامدة لا تصف شكل ضحكاتهم الحزينة ولا وجوههم الخائفة من الوطن، كل الكلمات هاربة ولا تجد لها مكانًا يتسع لأوجاع أطفال البدون.

‏كل قلوب أطفال البدون أصابتهم تخمة من الحزن.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد