dark_mode
  • الإثنين ٢٩ / نوفمبر / ٢٠٢١
بدون قلب - راشد خلف

بدون قلب - راشد خلف

‏يقضي معظم البدون حياتهم مفتقدين لأمور كثيرة، ويعيشون بلا وظيفة، ولا منزل، ولا مستقبل، ولا طموح، ولا أحلام، فما المشكلة لو عاش أحدهم بلا قلب، وهل يمكن للحياة أن تستمر بلا مشاعر؟

‏نعم، يمكن ذلك، فذلك العضو الموجود في الجهة اليسرى من الصدر، تكون مهمته فقط ضخ الدماء، ولا علاقة له بالعواطف والأحاسيس. 

‏يتساءل أحمد بعد أن غزا الشيب رأسه وهو يسير في العقد الخامس من عمره، مهلًا.. إنه فعلًا يسير في العقد الخامس ولم يستطعم الحياة بعد، كيف مضى العمر بهذه السرعة وهو بهذا الثقل؟ وكيف مرّت الذكريات هكذا وهي بتلك المرارة؟

‏المهم أن أحمدَ يتساءل عن مدى صواب قراره العزوف عن الزواج بعد تجربة حب فاشلة بكل المقاييس. كان يجد العذر المناسب في كل مرة يطرح فيها موضوع الزواج، ويقنع الآخرين بحجته، لكن هل كان فعلًا قادرًا على إقناع نفسه؟

‏يتذكر أحمد تمامًا ما حدث قبل عقدين من الزمن، عندما وقف وقفة المذهول منصتًا إلى من اختارها قلبه وهي ترجوه أن يبتعد عنها وينهيَ القصة الجميلة التي عاشاها معًا: "أعلم يقينًا أن أحدًا لن يحبني مثلك، وأدرك تمامًا أنني أخسر قلبًا لا مثيل له، وأعي جيدًا أنني كمن تمزق قلبها بيديها، لكنني اخترت الواقعية، سأرتبط بمن أضمن معه مستقبلًا أفضل لأولادي، لا أريد أن أنجب أطفالًا يعانون كما يعاني أبناء شقيقاتي وأشقائي".

‏يستغرب أحمد انفعالاته في كل مرة يستعيد بها هذا الحوار، رغم أنه يمر على ذاكرته يوميًا، وهو يحفظه عن ظهر قلب وكأنه مشهدٌ من فلمه المفضل، بل ويتذكر كذلك الدمعة التي وقفت حائرةً على طرف عينه، يدفعها هول الموقف ويمسكها الكبرياء، تلك الدمعة التي هطلت أضعافًا فيما بعد. 

‏ورغم الحسرة التي حفرت أخاديدَ في قلبه، ظل يلتمس العذر لـ "فتاته" ويقول دومًا إنها على حق وغير ملامة. 

‏استيقن أحمد وقتها أن معاناة البدون المادية لا تعنى شيئًا أمام الأخرى المعنوية، وأن أمورًا كالحب واختيار شريك الحياة المناسب، تعتبر ترفًا ورفاهية في بعض الأحيان.

‏الحب في حياة البدون حربٌ خاسرة، ومهما كنت مؤهلًا ومناسبًا وتمتلك كل الصفات الحسنة، لن تُقنع إذا ما قورنت بالآخر الذي ستضمن معه الزوجة على الأقل مستقبل أبنائها.

‏"ألم أقل إنها حربٌ خاسرة" يردد أحمد دائمًا كلما اختلى بنفسه وعاد به شريط الذكريات، نعم.. كان يمكنه أن يبدأ حياةً جديدة بعد سنةٍ أو اثنتين أو حتى عشر من ذاك اللقاء، لكن شبح الخسارة ظل يطارده ولا انتصار يلوح في الأفق. 

‏يتمنى أحمد لو استطاع أن يستفتيَ قلبه كلما طرحوا عليه موضوع الزواج، فيضع يده على الجهة اليسرى من صدره.. بيدَ أنه لا يجد شيئًا في كل مرة.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد