dark_mode
  • الخميس ٠٧ / يوليو / ٢٠٢٢
بدء المعاناة - علي سعيد التميمي

بدء المعاناة - علي سعيد التميمي

منذ ما يقارب الثلاثين سنة، وتحديدا بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي الغاشم بدأ التضييق على فئة عديمي الجنسية يأخذ منحى آخر أكثر خطورة، ومهدد بمزيد من التعسف والضغط من الناحية الاقتصادية؛ بسبب قيام الدولة بإعفاء أغلب العسكريين البدون من وظائفهم العسكرية التي كانوا يشكلون آنذاك ما نسبته ۸۰٪ تقريبا من الجيش الكويتي، ونسبة كبيرة من رجال الداخلية، ما أدى إلى تحول أغلب فئة البدون إلى عاطلين عن العمل.

لكن- وبالرغم من الخسارة الكبيرة بدء الأمر- من جراء ترك الوظيفة العسكرية الحكومية، والراتب الشهري الكبير نسبيا الذي كان الفرد البدون يتقاضاه من الدولة في وظيفته، بالرغم من ذلك كله وتطبيقا للفطرة الإنسانية التي خلق الله- تعالى- الإنسان عليها من كون الإنسان كائن مبدع يستطيع التكيف مع كل الظروف الملائمة وغير الملائمة، والسعي المودع لدى كل إنسان في البحث عن رزقه، استطاع الأفراد البدون ترك الرفاهية التي كانوا يعيشونها نسبيا، والدخول إلى معترك الحياة، فعملوا في كل المجالات الاقتصادية، بدءا من بيع الخضار والفواكه على الطريق، والدخول في التجارة وكثير من الوظائف في الشركات الخاصة، كالسكرتارية والمراسلة وتخصصات الكمبيوتر بأنواعها، بل حتى استطاع بعضهم تسنم إدارة بعض الشركات نظرا لاجتهاده وكفاءته أو كونه صاحب تخصص جامعي حصل عليه قبيل الغزو.

التحول الجديد:

بعد ذلك بدأ الأفراد البدون يتجهون نحو منحى آخر من الحياة الاقتصادية، فبدأ الآباء- أو قل الجيل الثاني أو الثالث- يفكرون في تدريس أبنائهم في الجامعات الخاصة خارج وداخل الكويت- كل بحسب قدرته-، فبدأ الأبناء يدرسون الطب البشري وعلوم الطوارئ الطبية والتمريض والهندسة وتخصصات الكمبيوتر العالية والمحاسبة وإدارة الأعمال والتدريس، وحتى من لم يتمكن من إدخال ابنه أو بنته للجامعة نظرا لتكاليفها العالية، أو للمعهد التطبيقي أو جامعة الكويت نظرا لاقتصارهما على فئات وأعداد قليلة من البدون، قام بإدخالهم إلى المعاهد الخاصة مثل شبكات الكمبيوتر والتصميم الجرافيكي والمحاسبة وغيرها، مما يؤمن للطالب وظيفة مناسبة في القطاع الخاص يستطيع من خلالها "فتح بيت" وتكوين أسرة والقيام بشؤونها بحد أوسط على الأقل.

واليوم وبعد مرور هذه السنوات الشاقة والمتعبة استطاع البدون من خلالها شق طريق آخر للحياة معتمدين بعد الله- تعالى- على أنفسهم مستغنين بذلك عن دعم الدولة، ومكتسبين لخبرات عديدة في كل المجالات الاقتصادية- كما أسلفنا-، واليوم إذا أمعنت النظر سوف تجد البدون يعملون في أغلب الشركات الخاصة وكثير من القطاعات الحيوية كالبنوك والشركات الكبرى، وذلك بسبب لهجتهم ومظهرهم الخارجي الكويتي بالإضافة– بالطبع- إلى كفاءتهم، وأيضا فإن كثير من الشركات تفضل البدون بسبب استقرارهم نسبيا عن الوافد وعدم تكليفه الشركة رسوم إقامة أو تأمين، وكذلك تراهم يعملون في كثير من المجالات الحيوية المؤثرة كالإعلام والصحافة، إضافة إلى بعض الوظائف في القطاع الحكومي، لكنها وظائف هامة ولا يستطيع العمل بها إلا المجد المثابر كالطب والتمريض والطوارئ الطبية وغيرها.

 

الحاضر والمستقبل:

واليوم وفي ظل المطالبات النيابية المتعددة أو التصريحات الحكومية بلزوم تعديل ما يسمى بالتركيبة السكانية للدولة، وكون البدون- بشهادة التاريخ- كانوا في الصف الأول لتأسيس الدولة بدءا من عمال النفط وأفراد الجيش، وفي ظل فشل سياسة التضييق على البدون من أجل إبراز هوياتهم الأصلية- كما يدعي بعض المؤزمین لحل القضية-، أقول: صار من الضروري أن تستوعب الحكومة أنها تمتلك ثروة بشرية وطنية هائلة عاشت منذ تأسيس الدولة ولها مصاهرات اجتماعية مع المواطنين الكويتيين، وتحمل كل الصفات النفسية والاجتماعية والأصولية التي يتمتع بها المواطن الكويتي، بالإضافة إلى كونها عمالة ماهرة تستطيع تغطية كثير أو أغلب المجالات التي يغطيها الوافد، نظرا للخبرات الكثيرة التي استطاع الأفراد البدون اكتسابها على مدى ثلاثين عاما مضى أو أكثر، فقد صار لزاما على الدولة- من أجل تعديل التركيبة السكانية للبلد- أن تعمل على دمج هذه الفئة مستنديا، بعد كونها مدمجة اجتماعيا ونفسيا وبيئيا.

وكذلك يشير كثير من الاقتصاديين إلى أن الدولة حاليا لا تستفيد كثيرا من الأموال التي يجنيها الوافدون، ما يمثل هدرا لمليارات الدنانير سنويا يمكن الاستفادة من عائداتها لو تم تشريع بعض القوانين التي تساعد على الاستثمار، أو استيعاب الوافد محليا وتوجيه إنفاقه إلى داخل البلد، وفي تصريح لجريدة الأنباء: «4.4 مليارات دينار تحويلات الوافدين في ۲۰۱۹».

فيمكن– في حال تم دمج البدون في الدولة- أن تستفيد الدولة اقتصاديا من الأموال التي يصرفها الأفراد البدون داخل البلد، ما يشكل عائدا ماديا كبيرا لا يستهان به، ودعما للاقتصاد والسيولة المحلية.

واليوم وفي ظل توجه الحكومة والمطالبات النيابية من تنويع مصادر الدخل للدولة، والانتقال من الدولة الريعية إلى الدولة المنتجة قدمت دراسة لشركة اكسبر للاستشارات وإدارة الأعمال تشير إلى ضرورة تنويع الكويت لمصادر دخلها، لضمان تحقيق مبدأ الرفاه لمواطنيها على المدى البعيد.

وقالت الدراسة: "إن خطوة تنويع مصادر الدخل تعد من الخطوات الاستراتيجية المهمة التي ستساهم في بناء مرحلة الكويت المستقبلية، الكويت ما بعد النفط".

وذكرت الدراسة أن هناك قطاعات في الأعمال، ستساهم في تنويع مصادر دخل الدولة خلال المرحلة الأولى، ونذكر منها على سبيل المثال: الصناعات التحويلية، وقطاع النقل، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والخصخصة، والشراكة بين القطاعين العام والخاص.

فلو تأملنا في القطاعات السابقة، لوجدناها تعتمد بشكل أساسي على العمالة الماهرة والمدربة والتي تحمل الخبرة لإدارة هذه القطاعات والعمل فيها كأفراد، ولا يشك منصف أن الثروة البشرية من فئة البدون تشكل أهمية كبيرة إذا تم استغلالها بشكل جيد، والعمل على دمجها بشكل قانوني للاستفادة المثلى من إنتاجها.

واليوم وفي زمن العولمة وسرعة نقل المعلومات والأخبار والأحداث على الحكومة- أولا- أن تتخلى عن العقلية القديمة التي أدارت بها ملف البدون، واستخدامها الأساليب التقليدية القديمة التي مر عليها الزمن، ولم يحقق الأهداف التي كان يصبو إليها من أجل التخلص من فئة تقدر بعشرات الآلاف لها واقع ثبتته بالتواجد والإخلاص لهذا الوطن والفداء والتضحية، ثم استطاعت تجاوز السنين العجاف بفضل صمودها وصبرها وتوكلها على خالقها- جل وعلا- واعتمادها على النفس واكتساب الخبرات العملية في شتى المجالات العلمية والعملية، ما جعلها فئة نشيطة ومبدعة في كثير من الميادين، بل تفوقت- أحيانا- على غيرها من الشعوب، والتي توفر لها الدولة الراتب بسبب وبدون سبب.

لذلك على الحكومة أن تزن الأمور بدقة، وتفكر بالحل الدائم لمشكلة البدون والتخلص من آثارها السلبية الاجتماعية والاقتصادية والدولية، وتعمل على تحسين الوضع القانوني لهذه الفئة من خلال منح حق المواطنة لهذه الفئة، والعمل على تفعيل الخطط الاقتصادية لتنويع مصادر دخل الدولة والاستفادة من الطاقة الشبابية للمواطنين وللبدون، مما يسهم في تعديل التركيبة السكانية وإرجاعها إلى نصابها الصحيح، وبناء دولة قوية بسواعد شبابها لكي تستطيع مواجهة الصعاب والأحداث الدولية والإقليمية، وكما يقول المثل الشعبي: "ما يحك ظهيرك إلا ظفيرك".

ولو فرضنا وجود بعض المعوقات في البداية لقيام الحكومة بمثل هذا الإجراء- وهو إعطاء البدون حق المواطنة- فلا شك أنها تتمكن من تعديل وضعهم القانوني، من خلال منحهم الحقوق المدنية والاجتماعية كبشر يحملون نفس الصفات الإنسانية والدينية بل والصفات الاجتماعية الكويتية، مع تفوقهم الخبراتي في المجال الاقتصادي، كل ذلك سوف يسهم- بلا شك- في استقرار الأفراد البدون اجتماعيا والمضي قدما في تحقيق رغباتهم الاقتصادية، والتوسع في مجالات التجارة وبناء الذات، خصوصا إذا عرفنا حجم المعاناة التي يعيشها الأفراد البدون حاليا من عدم حملهم إثبات صالح، أو جوازات سفر تساهم في استمرارهم في الحياة بشكل عام، ولتطوير أنفسهم اقتصاديا بشكل خاص، وغلق حساباتهم البنكية مما يسبب في عيشهم في عسر أو طردهم من وظائفهم، أضف إلى ذاك المعاناة اليومية جراء عدم توثيق عقود زواجهم أو حصول أبنائهم على شهادات الميلاد، أو عدم حمل الكثير منهم إجازة قيادة صالحة، وهي إجازة تمنح لوافد قدم للبلد قبل شهور، وتمنع عن فرد عاش هو وأبوه وجده في هذا الوطن ما يقارب الستين عاما!

ولو استثنينا بعض حالات الانتحار أو محاولة الانتحار والتي بدأت تطفو على السطح في السنين القليلة الماضية في مجتمع الكويتيين البدون، وهي بطبيعة الحال تعبر عن أوج حالات اليأس والإحباط التي تعرض لها مجتمعهم نتيجة للنهج الخاطئ في التضييق عليهم، فلو استثنينا ذلك لرأينا لوحة جميلة رسمها أفراد مجتمع الكويتيين البدون بمختلف شرائحهم من الطفل والمرأة و الشاب الطموح وكبير السن الصابر المكافح، لوحة فيها معاني الجهاد ومكافحة السنين العجاف، والاعتماد على رب العالمين، والوثوق الكبير بالذات، مما ولد جيلا قد تمرس وتدرب على صنوف الوظائف والمهن الشريفة، بل والتخصصية والأكاديمية في أحيان كثيرة رغم المعوقات الكثيرة.

لذلك إذا فكر صاحب القرار جديا في الآثار السلبية لتأزيم هذه القضية، وبدأ في إعطاء الحقوق المدنية والاجتماعية- على الأقل- سوف يرى النتائج الباهرة لمثل هذا السلوك الإنساني القويم وسوف يشاهد الجميع الفرد البدون خير معين للمواطن الكويتي وللدولة في بناء كويت الازدهار والتقدم والإبداع والمنافسة الدولية والإقليمية ويقول- تعالى- في محكم كتابه: (وَلَوْ أَنَّ أَھْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَیْھِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ) سورة الأعراف: آية 96.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد