dark_mode
  • الجمعة ٢٠ / مايو / ٢٠٢٢
البدون رأس مال بشري معطّل ينتظر التّمكين - أحمد محمد جبار

البدون رأس مال بشري معطّل ينتظر التّمكين - أحمد محمد جبار


تعتبر قضية البدون في دولة الكويت من القضايا الشائكة التي لطالما شغلت المجتمع الكويتي على المستويين الرسمي والشعبي منذ النصف الثاني من القرن الماضي، والبدون كمصطلح هم أفراد الأقليات العربية الذين لم يتم إدراجهم كمواطنين في وقت استقلال البلاد في عام 1961 أو بعد ذلك بوقت قصير، لجملة أسباب لعل من أهمها انتماءاتهم القبلية، وأصولهم العرقية والأمية أو طبيعة علاقاتهم بمسؤولي الدولة آن ذاك. 

وقد مثل وضع البدون هذا عقبة حالت أمام حصولهم على الوثائق المدنية والخدمات الاجتماعية وأضعفت قدرتهم في الحصول على حقوقهم في التعليم والعمل والصحة والزواج، حيث لم يتمكن الآلاف من البدون من الوصول إلى الخدمات الحكومية التي تتطلب بطاقات الهوية لأنهم يمتلكون فقط وثائق مؤقتة يكون تجديدها حسب تقدير الدولة، بينما هناك آلاف غيرهم لا يمتلكون وثائق على الإطلاق. وتدفع هذه الظروف البدون القادرين على العمل إلى القبول بأجور أقل وشروط عمل أقل من المواطنين الكويتيين. كما أنهم غالباً ما يضطرون لدفع رسوم أعلى مقابل خدمات الرعاية الطبية الأساسية التي لا يمكنهم الحصول عليها في مرافق الدولة. كما يضطر أولياء الأمور من فئة البدون أحياناً إلى إرسال أطفالهم إلى مدارس مدفوعة الرسوم نظرًا لاستبعاد بعضهم من المدارس الحكومية المجانية، على الرغم من وجود صندوق ترعاه الدولة للتعليم يمكن لعائلات البدون الوصول إليه[1].

وبغضّ النظر عن مستواهم التعليمي، يواجه البدون تمييزاً في التوظيف بسبب وضعهم "غير القانوني". على الرغم من أن العديد من الوزارات الحكومية توظف البدون، إلا أن هذا بشكل عام على أساس عقود "المكافأة مقابل العمل" التي توفر القليل من الأمن الوظيفي، ولا توفر أياً من المزايا التي ينص عليها القانون للمواطنين والعاملين المغتربين، مثل الإجازة المرضية مدفوعة الأجر والإجازة السنوية والمعاشات التقاعدية. علاوة على ذلك، تبقى الرواتب المقدمة للبدون في كل من القطاعين العام والخاص أقل بشكل عام من تلك المقدمة للمواطنين والعمال المغتربين، وفي الواقع، يضطر العديد منهم لكسب لقمة العيش من العمل في القطاع غير الرسمي وذلك بسبب عدم قدرتهم على الحصول على تراخيص تجارية أو امتلاك العقارات.

ومهما اختلفت الروايات التي انتشرت حول أصول البدون وأوضاعهم التاريخية وكيفية وصولهم إلى الكويت، والظروف السكانية والديموغرافية التي أدت إلى وجودهم، ومهما كانت الحلول المطروحة لهذه المشكلة سواء عن طريق التجنيس أو منحهم الإقامة، فإن الواقع يقول أن أفراد هذه الفئات قد شاركوا في عملية التنمية والدفاع والبناء والأمن، وشكلوا شرائح اجتماعية بنيوية في هذه البلد، وأنهم من دون شك يشكلون طاقة فاعلة من الموارد البشرية التي في حال تم استغلال كفاءاتها وقدراتها بالشكل المناسب فإنها ستعود بنتائج إيجابية على الدولة وعليهم أنفسهم كأفراد فيها.

        وفي الواقع، فقد شهدت أوضاع البدون الاجتماعية تذبذبا كبيراً، ما بين اتجاه رافض لحقوق هذه الفئة واتجاه معاكس داعم لحصولها على حقوقها والاستفادة من خبراتها وكفاءاتها.

أما الاتجاه الرافض فهو يرتكز إلى عدد من المبررات من أهمها الحفاظ على الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، حيث يرى أصحاب هذا التصور أن منح البدون حقوق المواطنة ومحاولة الاستفادة من كفاءاتهم قد يؤثر سلباً على التركيبة السكانية للمجتمع، كما أنه سيزيد من إجمالي السّكان الكويتيين بنسبة 10 بالمائة، مما قد يكبد الدولة مبالغ باهظة، نظراً لمزايا الرعاية الاجتماعية الضخمة والامتيازات التي تقدمها الدولة لمواطنيها، والذي من شأنه أن يضع ضغوطًا هائلة وغير مستدامة ومزعزعة للاستقرار على الاقتصاد الكويتي[2].

إلا أننا سنحاول تناول هذه الحجج من وجهة نظر مختلفة، فمهما كانت الامتيازات والعوائد المادية التي يتمتع بها المواطنون اليوم، والتي حققتها موجة التحديث الاقتصادي التي غمرت الكويت منذ اكتشاف الثروة النفطية وحتى يومنا هذا، إلا أن هذا لن ينفي الانعكاسات السلبية لهذه الموجة على سوق العمل المحلي، والتي تعود إلى حقيقة اعتمادها بشكل شبه كامل على العوامل الخارجية، فكان من أهم تلك الانعكاسات استيراد العمالة الأجنبية، ومحدودية مشاركة العمالة الوطنية في عملية التنمية والإنتاج الاقتصادي، وهو الأمر الذي سنقاربه مفصلاً فيما يأتي،  كونه يحمل في طياته العديد من الآثار السلبية الاقتصادية والاجتماعية خاصة على المدى البعيد، والتي يمكن حلّها أو التخفيف منها عبر تفعيل فرص العمل لفئة البدون التي تعتبر حتى اليوم قوة معطّلة في الاقتصاد الكويتي، واستغلال إمكانياتها وكفاءاتها كبديل عن الاستعانة باليد العاملة الوافدة، وذلك على مختلف القطاعات الإنتاجية والتعليمية والصحية وغيرها.  

فإذا ابتعدنا قليلاً عن قطاع النفط وأخذنا القطاعات الإنتاجية غير النفطية كالقطاع الزراعي وكذلك الإنتاج الحيواني والصيد مثالاً على القطاعات الإنتاجية الأساسية التي تعتبر العمالة الوافدة أحد محركاتها الأساسية وفق ما أثبتته الدراسات العملية المجراة بهذا الخصوص[3]، وحاولنا استقراء مدى مواءمة إحلال البدون محل العمالة الوافدة في تلك القطاعات، ومدى انعكاس ذلك على البعدين الاقتصادي والاجتماعي، فإننا سنجد ما يلي:

·        على الصعيد الاقتصادي: وعلى الرغم من المميزات المشجعة التي تتصف بها اليد العاملة الأجنبية والتي من أهمها قبولها الأجور المنخفضة والعمل في ظروف القاسية، إلا أنها من ناحية أخرى تؤدي إلى اعتماد البلاد بشكل كامل على هذه الخبرات الأجنبية في جميع مجالات الإنتاج ومراحله، وتحول دون القدرة على بناء خبرات محلية وقاعدة إنتاجية قادرة على النمو بشكل مستقل في المستقبل، وخاصة في ظل إحجام العمالة الوطنية عن العمل في القطاعات الإنتاجية[4]. كما قد يؤدي انخفاض أجور العمالة الوافدة إلى استقطاب نوع من العمالة منخفضة المهارة ولا تتمتع بالكفاءات اللازمة مما يمكن أن يؤدي إلى آثار سلبية على التنمية التقنية طويلة الأجل في تلك القطاعات، لأن العمالة سوف تتجمع في قطاعات كثيفة العمالة ومنخفضة الأجر.

هذا بالإضافة إلى الآثار الاقتصادية العامة، والتي تنسحب على كافة أنواع قطاعات العمل ومنها القطاعات الإنتاجية، مثل زيادة التحويلات المالية للعمال الوافدين إلى دولهم الأم لتغطية تكاليف معيشة عائلاتهم أولاً ولإدراكهم محدودية زمن إقامتهم في البلاد وهو الأمر الذي يدفعهم لادخار أقصى ما يمكن ادخاره لبناء حياتهم الدائمة في مواطنهم الأصلية، مما يقلص نسبة إنفاقهم ضمن العجلة الاقتصادية المحلية مقارنة بالتكلفة المالية غير المباشرة لهذه العمالة كبيرة العدد نتيجة لتحمل الدولة الجانب الكبير من هذه التكلفة عن طريق الدعم المباشر وغير المباشر للخدمات (الرعاية الصحية والتعليمية، والمواصلات والكهرباء والمواد الغذائية وغيرها.) وهو الأمر الذي لا ينطبق على البدون. فالبدون لا ينتمون إلى وطن ثان غير الكويت وهم مقيمون دائمون فيه هم وعائلاتهم، وبالتالي فإن حركات إنفاقهم المالية ستبقى داخل نطاق الدولة والأمر نفسه ينسحب على مدخراتهم. وبالتالي فإنهم سيشكلون جزءاً مهماً في بناء القاعدة الإنتاجية والخبرات المستدامة في البلاد وخاصة في حال توفير التدريب المهني المناسب لذوي المؤهلات الدنيا والمتوسطة منهم[5]. وخاصة في ظل عزوف الكويتيين عن العمل في القطاعات الإنتاجية والخدمية كالزراعة والصيد[6].

·        على الصعيد الاجتماعي: تمتد آثار حس الانتماء الذي يميز البدون عن غيرهم من العاملين الأجانب المستقدمين إلى البلاد لتشمل البعدين الاجتماعي والثقافي أيضاً، فالعمالة الأجنبية (وخاصة تلك الوافدة من البلدان التي لا تربطها بالكويت أية صلات تاريخية) تتمايز بدياناتها ومعتقداتها وعاداتها، مما يجعلها تنحى باتجاه الانغلاق على نفسها ضمن تكتلات مغلقة وعدم الاندماج في المجتمع وذلك سعياً للحفاظ على هويتها الوطنية وتراثها الثقافي[7]، وخاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار نوعية العمالة التي تستقطبها تلك القطاعات الإنتاجية، وهي العمالة التي تمتلك الخبرات الفنية أكثر من تلك التي تمتلك المستويات العليا من التعليم والثقافة.

ولعل من أهم النظريات الاجتماعية التي تناولت تأثير العمالة الوافدة على المجتمعات المستضيفة هي نظرية البناء الاجتماعي، والتي تركز على أن تركيبة التوازن الاجتماعي في المجتمعات تعتمد على عنصرين رئيسيين أولهما هو ثقافة المجتمع التي تتحدد من الإرث الثقافي لأفراده، أما الثاني فيتمثل في التركيبة الاجتماعية لهذا المجتمع والتي تتفاعل مع مكونات الثقافة لتحقيق أهدافه وغاياته، فلا تتحقق أهداف المجتمع وتوازنه الاجتماعي إلا بانسجام أهدافه الثقافية مع تركيبته الاجتماعية[8]. وهنا تتجلى مخاطر وجود عمالة وافدة يزيد عددها عن ضعف عدد المواطنين، والتي أدت إلى وجود خلل في التركيبة السكانية أصبح أمراً واقعاً، واستتبعه خلل مماثل في هيكلة القوى العاملة على مستوى الدولة.

إن معالجة هذا الخلل ليست بالأمر السهل إذا ما نظرنا إلى النسب الخاصة بأعداد المواطنين وأعداد الوافدين، فمن غير الواقعي والممكن إحلال الموارد البشرية المواطنة المحدودة التي لم تعد نسبتها تتجاوز ال 30 % من التركيبة السكانية محل الموارد الوافدة التي قاربت نسبتهم 70 % من إجمالي السكان[9]. وهنا قد يكون استثمار طاقات البدون كرأس مال بشري بديل ومناسب، فهم على عكس العمالة الوافدة يشكلون شريحة متجانسة مع المجتمع الكويتي لغوياً وفكرياً وثقافياً، ويمكن لهم أن يشكلوا بديلاً حيوياً للعمالة الوافدة إلى تلك القطاعات، حيث يمكن أن تجنب المجتمع مخاطر العمالة الوافدة أو حتى تهديداتها الأمنية.

وتشكل أزمة تفشي وباء كورونا اختباراً عملياً لمساوئ الاعتماد الكلي على العمالة الوافدة لتسيير القطاعات الإنتاجية في البلاد، فمع نزوح العاملين من الخليج، نتيجة لتفشي الوباء، تعاني الكثير من القطاعات الإنتاجية في الكويت وفي مقدمتها قطاعات الزراعة والإنتاج الحيواني والصيد من نقص شديد في أعداد اليد العاملة اللازمة، مما انعكس على ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة أسعار السلع، إضافة إلى انعكاسه على ارتفاع أجور تلك الفئات من العمال على نحو كبير، مما يدفع القطاعات المعنية إلى إعادة هيكلة احتياجاتها بما يحقق الاستقرار في قوة العمل عن طريق خطط الإحلال الملائمة[10]، حيث قد يكون سكان البدون هم الحل لملء تلك الشواغر عبر تناول موضوع تمكينهم من وجهة نظر علمية وتنموية تعتمد على التخطيط الذي يخدم التطوير في الكويت.

 

المراجع:

1.       منظمة العفو الدولية، "بدون" الكويت ... (الصفحة 2) 16 سبتمبر 2013.

2.       AlSaleh, Noor Yousuf. How Citizenship Informs Political Authority: The Case of Kuwait and Bahrain. Diss. 2018. P 123.

3.       ومن تلك الدراسات دراسة فاطمة آل خليفة بعنوان اختلال هيكل العمالة في دولة الكويت المنشورة في المجلة العربية للإدارة الصادرة عن المنظمة العربية للتنمية الإدارية، المجلد 20 العدد 2 لعام 2000.

4.       بدوي، أبو بكر عابدين، هل توجد بطالة حقيقة في الكويت وكيف يمكن معالجة الخلل في تركيبة القوى العاملة، المؤتمر العلمي الخامس للاقتصاديين الكويتيين: أسواق العمل ومشكلة التوظف في دول مجلس التعاون الخليجي العربية، الجمعية الاقتصادية الكويتية ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، 2001. ص 221.

5.       العباس، بلقاسم، تقييم استراتيجيات سوق العمل لمواجهة تحدي البطالة في دولة الكويت، المعهد العربي للتخطيط، مجلة التنمية والسياسات الاقتصادية، مج 10، عدد 2، 2008. ص 15.

6.       المرجع نفسه، ص 14.

7.       وطفة، علي أسعد، العمالة الوافدة وتحديات الهوية الثقافية في دول الخليج العربية، المستقبل العربي، مج30، عدد 34، 2007. ص 69.

8.       العتيبي، محمد. "دور العمالة الوافدة في ترويج المخدرات من وجهة نظر العاملين في الدائرة العامة لمكافحة المخدرات". جامعة نايف للعلوم الأمنية. الرياض.

9.       العباس، بلقاسم، تقييم استراتيجيات سوق العمل لمواجهة تحدي البطالة في دولة الكويت، مرجع سابق، ص 12.

10.   الدوب، طارق عبد العزيز، تأثيرات جائحة كوفيد- 19 على أوضاع العمالة الوافدة وجهود دولة الكويت في التعامل معها: دراسة مقارنة بين اتجاهات المواطنين والوافدين، المجلة العالمية للاقتصاد والأعمال، مركز رفاد للدراسات والأبحاث، 2021. ص 66.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد