dark_mode
  • الجمعة ٢٠ / مايو / ٢٠٢٢
الاندماج الاجتماعي للبدون في الكويت - الاتجاه لسوق العمل - نور العمر

الاندماج الاجتماعي للبدون في الكويت - الاتجاه لسوق العمل - نور العمر


تهدف هذه الورقة بشكل رئيسي إلى دراسة الآثار الإيجابية المحتملة في حال تم إحلال البدون مكان العنصر الأجنبي في سوق العمل، وتنطلق من مجموعة فرضيات مفادها أن عملية دخول البدون لسوق العمل مكان العنصر الأجنبي سيكون له مردود اقتصادي على الدولة، وأن هذه العملية ستعالج خلل التركيبة السكانية، وكذلك سترمي هذه العملية إلى نقل قضية البدون من الإطار الإنساني إلى الإطار القانوني والسياسي، وستساهم في ضمان أن يكون البناء الاجتماعي قائم على مبدأ المشاركة الفعلية والفعالة في إنتاج الثروة والاستفادة من عوائدها ومنافعها.

تواجه الكويت تحديات اجتماعية واقتصادية بسبب معضلتين رئيسيتين الأولى تتمثل بخلل التركيبة السكانية إذ يمثل الكويتيون ما نسبته %32 من السكان(1) - أي أنهم أقلية في وطنهم، والثانية أن نسبة 75% من ميزانية الدولة توجه نحو الرواتب والدعوم(2) نتيجة تكدس العمالة الكويتية في القطاع العام، وعدم وجود آلية ناجحة في توجيه تلك الدعوم، هذا من جانب ومن جانب آخر تبلغ قيمة التحويلات الخارجية التي تقوم بها العمالة الأجنبية في الكويت ما يتجاوز 10 مليار دولار، فقد سجل العام 2020 تحويلات خارجية بقيمة 5.29 مليار دينار، وتحتل الكويت المرتبة 17 عالميا من حيث تحويلات العمالة الأجنبية(3)، ويأتي هذا السلوك ضمن سياق طبيعي فالعامل الأجنبي جاء إلى الكويت بسبب عدم توفر فرص عمل مناسبة له في وطنه الأصلي أو بحثا عن دخل مرتفع نسبيًا.

على الطرف الثاني يواجه البدون في الكويت تحديًا يضاعف من معاناتهم الإنسانية وتحديات المواطنة، وتتمثل في الفرص الوظيفية وصعوبة الحصول عليها فأعداد البدون في القطاع الحكومي لا تتجاوز 2000 موظف(4)، وعليه فإن البدون هم قوة عمل على هامش سوق العمل الكويتي بل تدفعهم صعوبة الإجراءات في استخراج المستندات الثبوتية وغيرها إلى الانصراف نحو وظائف ومهن لا تتطلب تلك المستندات مثل المندوب والسمسرة في أسواق السلع المستعملة وبيع الفاكهة والخضار على الطرقات كما يلجأ من تلقى تعليما عاليا من البدون للعمل في القطاع الخاص وبرواتب زهيدة إذا ما تمت مقارنتها بما يحصل عليها العامل أو الموظف الأجنبي في نفس القطاع.

تشكل الدولة والبدون طرفي معادلة إذا ما تمت صياغتها بشكل مناسب يمكن لها أن تعود بالمنفعة للطرفين فمن الممكن معالجة خلل التركيبة السكانية وتحقيق انخفاض في حجم التحويلات الخارجية التي تقوم بها العمالة الأجنبية في الكويت من جانب، وخلق المزيد من الفرص الوظيفية للبدون في القطاع العام من جانب آخر، وذلك من خلال إحلال البدون في الكويت محل العمالة الأجنبية التي سيساهم تقلصها في معالجة خلل التركيبة السكانية بالإضافة إلى انخفاض في التحويلات الخارجية، وهذا الإحلال بدوره سيترتب عليه أيضا ارتفاع في دخل الفرد البون المعيل لأسرته وتنخفض معه قيمة المساعدات التي يقدمها بيت الزكاة واللجان الخيرية تتوجه هذه المبالغ إلى أوجه أخرى من أوجه العمل الخيري الذي أيضا سيكون له مردود إيجابي على المجتمع.

يمكن الاستعانة هنا بنظرية تقسيم العمل لعالم الاجتماع أميل دوركهايم، وأثرها في تحقيق الاندماج الاجتماعي، أي أن إحلال البدون محل العمالة الأجنبية سيساهم في معالجة ظواهر أخرى غير تلك المتعلقة بالتركيبة السكانية والتحويلات الخارجية، فإن دوركهايم يرى بأن اندماج أي جماعة يتحقق عبر وجود وعي ومعتقدات مشتركة وسلوكيات وتفاعلات وغايات مشتركة تولد لديهم الشعور بالانتماء، وإن تقسيم العمل سيخلق تضامنًا عضويًا يمكن من خلاله الوصول إلى الانسجام المجتمعي(5)، وهذا الانسجام من شأنه أن يعالج بعض الترسبات والنظرة غير العقلانية لقضية البدون باعتبارهم سببًا في المشكلة وليسوا ضحايا لقضية، فالاتصال الذي يبني العلاقة بين الأفراد ويمكن أن يتحقق من خلال بيئة العمل أورده جاك لاكان في دراساته للروابط الشخصية البينية في إطار العلاقة بين علم النفس والروابط الاجتماعية الذي تناول مفاهيم مهمة تتمثل في المشاعر والتصورات والأدوار والمراكز(6)، وأيضا يمكن للدولة أن تستفيد من هذا الاتجاه بحيث أنه ستنتقل بقضية البدون من إطارها الإنساني بوصفها قضية تشغل المنظمات الحقوقية والإنسانية نتيجة ما يعانيه البدون من حرمان من الحقوق المدنية، إلى إطار سياسي قانوني يتمثل في حصولهم على الجنسية من عدمه، أي أن جميع الحقوق الأساسية للإنسان والتي نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الأفراد منعدمي الجنسية لعام 1954 تكون متاحة للبدون، وإن كانت الكويت لم تصدق على تلك الاتفاقية فإنها من الممكن أن تكون مرشدا فيما يتعلق بحقوق العمل الخاصة بعديمي الجنسية (البدون).

تبلغ أعداد العمالة الأجنبية في القطاع الحكومي 97515 وهذا يعني أن ثمة فرص وظيفية كثيرة ستتوفر في حالة إحلال البدون مكان هذه العمالة الأجنبية، ويمكن حينها توجيه البدون بوصفهم قادمين جدد لسوق العمل للانخراط في دورات تدريبية نوعية كمحفز لهم وبالتالي من خلال هذه الدورات يمكن سد النقص في أي مهن أو مهارات نادرة لا يلبيها المواطن الكويتي، كذلك يمكن الاستفادة من البدون في مهن كالتدريس والتمريض والسلك العسكري في الشرطة والجيش، ففي الحقل التعليمي يمكن الاستفادة من البدون كونهم يحملون عادات وثقافة هي جزء من عادات وثقافة المجتمع الكويتي أصلا، وهذا سيكون له انعكاس إيجابي على العملية التربوية، أما في مهن التمريض والتي يتم جلب أغلب العاملين في هذا القطاع من الخارج ومن خلال عقود وقد تم رصد حجم التسرب في القطاع الطبي والتمريضي من قبل الأجانب خصوصا أثناء جائحة كورونا، ولو كانت الاستعانة بالبدون قائمة وبشكل موسع في هذا القطاع لتقلصت فرصة هذا التسرب خصوصا أنه قد وقع في ظرف طارئ وملح، أما فيما يتعلق بالسلك العسكري فقد كان البدون يمثلون نسبة هامة من الجيش والشرطة في الكويت، فيمكن الاستفادة من البدون بأعداد كبيرة ضمن أفراد الشرطة والجيش والحرس الوطني في ظل العدد الكبير من رتب الضباط من بين الكويتيين.

سيستفيد البدون من عملية الإحلال هذه بشكل مباشر ليس فيما يتعلق بفرص العمل والدخل فحسب بل أيضا فيما يتعلق باستخراج المستندات الثبوتية والتعليم والصحة، فإن عملية الإحلال هذه تتطلب من الدولة خلق دورة من الإجراءات الميسرة لاستخراج هذه المستندات ثم إن هذا الموظف أو العامل من البدون يجب أن تتاح لأبنائه فرص تعليمية ورعاية صحية مميزة شأنه شأن الموظف أو العامل الأجنبي، فلا يستقيم أن تتاح له فرصة العمل ويتم التضييق عليه في جوانب معيشية أخرى، خصوصا إذا كان الهدف هو تحقيق أقصى طاقة إنتاجية.

ختاما يمكن القول بأن تحقق منافع اقتصادية واجتماعية من انخراط البدون في سوق العمل ومساهمة ذلك في معالجة التركيبة السكانية إذا ما تم تسويقه بصورة إيجابية سواء من جانب الدولة، أو من جانب قادة الرأي والمنصات المناصرة لقضية البدون سيكون له مردود إيجابي كبير على تغير الصورة الذهنية الموجودة لدى بعض أفراد المجتمع اتجاه البدون أو لدى بعض الأفراد من البدون اتجاه الدولة، خصوصا إذا ما اتسمت عملية الإحلال تلك بتحقيق الضمانات اللازمة لحصول البدون على حقوقهم المدنية من استخراج مستندات وتعليم وعلاج وغيرها.

إن هذا الرؤية الاستشرافية نحو شكل ومستقبل العلاقة بين الدولة والبدون، يمكن قياسها ومقاربتها بنماذج دول أخرى فهناك دول استفادت من المهاجرين إليها بحثا عن الأمن أو العمل، وإن بيئة العمل وإسهامات هؤلاء المهاجرين مكنت من اندماجهم في المجتمع بل وجعلتهم مستهدفين من قبل الدولة فكم وزير أو رئيس أو مسؤول في دول الغرب وفد مهاجرًا إليها ثم أصبح من صناع القرار فيها، وبالتأكيد ذلك يعود إلى مفهوم العمل، فالعمل وحده وما قدم من خلاله هو من يخلق قيمة للفرد وتأثير له في المجتمع.

إن هذا الطور الجديد الذي يمكن أن يتحقق لقضية البدون، سيجعل مسألة التجنيس وآلية تنفيذها تمضي بدون صخب أو ضغوط وتأثيرات، فقد تم نقل القضية من معاناتها الإنسانية المتعلقة بحياة الفرد وأسرته ومستوى معيشتهم إلى إطارها القانوني والسياسي، أي لا يتبقى في القضية إلا مبحث واحد وهو مبحث المواطنة والجنسية واستحقاقها، ثم أن نمطًا من أنماط علاقات العمل التي ستبنى قد يساهم بخلق رؤوس أموال لدى البدون تضمن لهم المزيد من العيش الكريم، ولعل مقاربة ذلك بالوجود الفلسطيني في الكويت قبل الغزو العراقي له مثال جيد، فقد ساهم الفلسطينيون في سوق العمل الكويتي أيما مساهمة، وكانت مداخيلهم تنفق في الكويت نتيجة الاحتلال الصهيوني لبلادهم، وقد استفاد الفلسطينيون من وجودهم ضمن سوق العمل الكويتي إذ بدأت كيانات تجارية فلسطينية متوسطة وكبيرة أحيانا بالظهور في السوق الكويتي.

 

المراجع:

1.    موقع الهيئة العامة للمعلومات المدنية التعداد العام للسكان.

2.    وزارة المالية الموازنة العامة للدولة 2023/2022

3.    البنك الدولي، قاعدة بيانات "الآفاق الاقتصادية العالمية".

4.    جريدة الرأي 27 نوفمبر 2015 الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية.

5.    دوركهايم، أميل. (1982). في تقسيم العمل (حافظ الجمالي، مترجم). بیروت: المكتبة الشرقية ص 79.

6.    ليلي، محمد يسعد. (2019). مقياس الرابط الاجتماعي. جامعة لونيسي علي - البليدة 2. ص 26. 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد