dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
البدون وشبح العزل العنصري في التعليم - هديل

البدون وشبح العزل العنصري في التعليم - هديل

يعاني البدون من عزل عنصري في الكويت.

من هم البدون؟

عديمو الجنسية بالكويت.

بداية مشكلة البدون تحديداً منذ العمل بقانون الجنسية، مرسوم أميري رقم 15 لسنة 1959. 

"الكثير من البدون كانوا يعيشون في مناطق بعيدة – بالأساس من أصول بدوية- أو لم يعرفوا بشأن مسألة الحصول على الجنسية، أو أهملوا في تسجيل طلباتهم. بعضهم لم يكن قادرًا على القراءة والكتابة، وغيرهم ممن لم تكن لديهم سجلات كتابية، تعرضوا لمشاكل لا سيما أثناء محاولة إثبات أنهم يستوفون الشروط القانونية الخاصة بقانون الجنسية الجديد. وهناك آخرون لم يهتموا كثيراً بمفهوم المواطنة الجديد عليهم، وأخفقوا في التنبؤ بما سيشمله هذا الأمر من حقوق وامتيازات سيحصل عليها المواطنون خلال العقود التالية، بعد الثراء الذي شهدته الكويت وتزايد الخدمات الحكومية واتساعها. إن البدون اليوم هم أولئك المستحقون للجنسية بموجب قانون الجنسية لكنهم أخفقوا في إتمام طلبات الحصول عليها بحلول عام 1960، أثناء جهود تسجيل المواطنين الأولى التي أعقبت استقلال الكويت."

وزاد الظلم وأعداد البدون الهائلة جيلًا بعد جيل بسبب تهاون الحكومة عن حل هذه القضية.

وفي نهاية عام 1986 صدرت وثيقة سرية للتضييق على البدون ونصّت على حرمانهم الكثير من حقوقهم الإنسانية.

وفي عام 1993 صدر مرسوم بإنشاء اللجنة المركزية وغيرت مسماهم إلى "مقيمين بصورة غير قانونية".

تتفاقم مشكلة حرمان البدون من حقوقهم يوماً بعد يوم ولم نجد في الكويت من يحاول إيجاد حلول حقيقية.

يعاني البدون- بصفته مجتمع مختلف عن مجتمع الكويتيين- من كل أشكال العزل العنصري، والحرمان من الحقوق المدنية، والعزل في مناطق سكنية  وعزل سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً.


سأخص بهذا المقال الحديث عن العزل العنصري للبدون في التعليم:

التعليم حق لكل فرد في هذا العالم، حيث نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والبند رقم ١٤ من العهد الدولي الخاص بالحقوق على الحق بالتعليم لكل طفل في دول العالم ونص البند رقم ٢٦ على أن:

"لكل شخص الحق في الحصول على التعليم الذي يجب أن يكون مجانياً في المراحل الابتدائية والأساسية على الأقل ويجب على التعليم الابتدائي أن يكون إلزامياً والتعليم التقني والمھني يجب أن يكون متاحاً بشكل عام أما التعليم العالي والاختصاصي فيجب أن يكون متاحاً أيضاً لجميع الطلاب بدون تمييز وعلى أساس وحيد هو التفوق الدراسي فقط."

ولكن القانون الكويتي لا يحمي حق الفرد البدون في التعليم، حيث يعاني الفرد البدون في شتى مراحل حياته من صعوبة الحصول على حق التعليم إذ يواجه صعوبات وتحديات عديدة ويضطر للانخراط في أعمال شتى من أجل تحمل تكاليف المعيشة والتعليم فهذا الفرد البدون يعمل حتى في الشارع من أجل لقمة العيش وتطارده البلدية والشرطة.

شهد عقد التسعينيات انتشارًا للأمية بين أطفال البدون، وذلك بسبب عدم مقدرة الكثير من العائلات على دفع رسوم تدريس أبنائها، بينما اضطر بعضها إلى تقسيم أبنائهم إلى مجموعتين: مجموعة تدرس في عام دراسي ومجموعة أخرى تدرس في العام الدراسي الذي يليه، ونتيجة للضغوط على الكويت من المجتمع الكويتي والمدني في سنة ٢٠٠٤ تم تبني فكرة صندوق الخير بواسطة الشيخة أوراد الصباح لدفع مصاريف تعليم البدون والوافدين والمسؤول عن دفع تكاليف الصندوق ليست الحكومة، إلا أن هذا الصندوق لا يحمل على ظهره المشكلة ولا يوفر حلول حقيقية للبدون، حيث أن الصندوق غير مسؤول عن دفع مصاريف الطفل الذي لا يحالفه الحظ ولا ينجح، مما يجعل الأهل والطفل في قلق وتوتر دائمين مهددين بعلامات الطفل، كما أن هذا الصندوق لا يتحمل تكاليف دراسة ذوي الاحتياجات الخاصة من البدون إذ يبقى الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة إذا كان من أسرة ذات دخل منخفض محروم من التعليم! يعيش البدون في حالة خوف دائمة وأخص أصحاب الدخل المنخفض، حتى في وجود صندوق الخير، حيث لا يزال هناك ما يسمى - بفرق الشريحة- وتتراوح أسعار فرق الشريحة من ٩٠ دينار إلى ٢٠٠، إضافة إلى أسعار الكتب.

ما هو فرق الشريحة؟

تعني: المدرسة حاصلة على شهادة تميز من التعليم العالي، لكن أغلب المدارس الأهلية تحصل على هذه الشهادة سنوياً.

قد يخيل إلى من يقرأ أنه مجرد رقم قليل؛ لكن مع تدني مستوى دخل البدون وراتب الفرد البدون التي عادة ما تتراوح بين ١٥٠ دينار إلى ٥٠٠ كحد أقصى، فإنها تشكل مبلغًا هائلًا في ظل الغلاء المعيشي، بالإضافة إلى أن الصندوق لا يتحمل مصاريف تعليم الأطفال أصحاب القيود الأمنية و الذين لا يملكون بطاقات أمنية ولا يتحمل تكاليف الكتب. هنا مرة أخرى أشير إلى عدم وجود حل حقيقي لتعليم أطفال البدون، ولا يخفى على الجميع أن المدارس الحكومية مختلفة اختلافًا تامًا عن المدارس الأهلية، حيث المدارس متهالكة، مهملة، غير صحية، وغالب المدرسين فيها من أصحاب تقدير- مقبول، جيد -.

بينما تستقطب المدارس الحكومية أصحاب تقدير الامتياز؛ لمنح الفرد الكويتي أفضل تعليم، بالإضافة إلى تكدس أعداد الطلاب إلى ٥٠ طالب في الفصل، في حين أن المدارس الحكومية لا تستوعب بالفصل أكثر من ٣٠ طالب، حتى يأخذ كل طالب حقه بالتساؤل والتعليم بلا تصادم مع الطلاب، بما يجعل الطالب يكره المدرسة، ويتكاسل عنها.


معاناة أطفال البدون في المدارس:

كانت وما زالت المدارس تطرد الأطفال من الفصل في حال لم يتم دفع الرسوم، ويعامل الطالب بقسوة ويحرم من الجلوس بالفصل وعادة تطرد بعض المدارس الطالب ويقف في الشمس إلى حين الاتصال بالوالد فإما يدفع أو يرحل.

تقول صديقتي ريما التي طردت من الفصل وهي طفلة:

"بعد مرور أسبوعين على بدء العام الدراسي داومت، متأخرة عن المنهج، عن فرحة اليوم الأول، عن اختيار مقعدي بنفسي، أنسخ كل الكشاكيل وأنقل حل الكتب، بعد شهر من حلول القسط الثاني تدخل على الفصل أبلة منى بملفها الأخضر وتردد أسماء الطلبة المتعسرين بالدفع، تنادي على اسمي.. لم أفهم لماذا طلبت مني اللحاق بها! إلى إن وصلت لحافلة المدرسة!

رددت بكل طفولة:" أبلة أنا أبوي ياخذني ما أروح مع الباص" أجبرت على الركوب، خفت، بكيت كثيرًا، فشلت المعلمات في تهدئتي إلى أن رأيت أختي تجلس على الكراسي الخلفية فجلست بجانبها وهدأت، أختي تكبرني بعامين وسبق أن طردت من مدرستها وعادت إلى بيتنا سيرًا على الاقدام مع أخي الأكبر.. نطرد ونعود ونطرد ونعود..

أكثر ما يحزنني تعب أمي كل صباح، تجهز لنا "الريوق"، تمشط شعري وأختي بكل قوتها، وتلبسني أنا وأخواني الثلاث، تودعنا بكل حب وتعطينا خردة حق البرد "بالهدة"، وبس نوصل المدرسة وبعد جرس الحصة الثانية نركب الباص راجعين لها بكسرة خاطر."

ولأن الفرد البدون يعاني في حصوله على لتعليم واستمرت المعاناة ماثلة، في سنة ٢٠١٤ حينما طردت المدارس الطلاب الذين لا يملكون شهادات ميلاد ومنعتهم من التعليم، لذلك ظهرت حملة كتاتيب البدون احتجاجًا على منع المدارس تسجيل الطلاب والطالبات الذين لا يحملون شهادات ميلاد، وشارك بهذه الفكرة جمعية المعلمين ومتطوعون بدون وكويتيون، كانت الفكرة تعتبر احتجاج عملي، حيث كان يتواجد من ٣ إلى ٤ فصول وفي كل فصل ٥٠ طالب. استمر العمل شهر في فرع الجهراء جمعية المعلمين ونظراً للضغوط على هذه الجمعية لم يكملوا العمل فيها، واستمرت حملة الكتاتيب في مكان آخر سنة كاملة، حيث كانت تدرس المواد الأساسية، بالإضافة إلى اعتصام من الناشطين أمام وزارة التربية ٣٠ يوم بالتناوب. 

تقول الناشطة فاطمة اسم مستعار:

"كان العمل احتجاج سلمي، كنا نعمل بجهد وبكل قوة ونعلم جيداً أنه لا تحل المشكلة بهذه الطريقة، لكن كان عمل عظيم سلمي يمثل الاحتجاج على ما تصدره الحكومة من قرارات بحق الأطفال وتعليمهم"

وفي معرض الكتاب قام الناشطون بحركة عملية ذكية تلفت النظر لقضية تعليم البدون فقاموا بطبع جملة على سترات:

"هل تعلم أن هناك أطفال محرومون من التعليم بالكويت" 

والمشي بصمت.. كاحتجاج على حرمان الأطفال من التعليم. 

تعليم البدون مر بأزمات وما زال تعليم البدون يواجه صعوبات، ففي كل سنة نشهد كمية مناشدات لاستكمال تعليم طلاب البدون، ويواكب الفرد البدون تعليمه بالمناشدات وتحت رحمة الدعاء، وحتى إذا واكب الفرد البدون تعليمه المدرسي مرة أخرى يجاهد في التعليم الجامعي.

تستمر المعاناة، وقد يكون الأمر أشد سوءًا وكارثية في الجامعة.

يمنع البدون من التسجيل في الجامعة إلا بشروط تعجيزية، مقاعد معينة، ويشترط فقط أزواج الكويتيين، والطلبة المتفوقين وأبناء الكويتيات.

في السابق، كان البدون ممنوع من القبول في جامعة الكويت، إلا أن الوضع قد تغير الآن وصارت جامعة الكويت تقبل المتفوق بأعداد معينة مع موافقة الجهاز المركزي.

 ولكن لا يُقبل كل المتفوقين بسبب كثرة الأعداد المتقدمة وبسبب تعسف الجهاز المركزي الذي دوماً ما يعرقل مسار حياة الإنسان البدون، حيث يطالب الجهاز عادة بعدم قبول أي طالب إلا بعد الحصول على إذن من الجهاز المركزي أو ابتزاز الطلاب عبر تخييرهم بين التوقيع على ورقة يقرون فيها بانتمائهم لدولة مجاورة أو عدم قبول الجامعة لهم مما يجبر الطالب على التخلي عن الدراسة.

وحتى إذا حالفك الحظ وقبلت، لا تكون كالطالب الكويتي تمنع من -الإعانة- وتتحمل تكاليف الكتب والمواصلات إلا إذا كنت ضمن أبناء الكويتيات.

ترفض جامعة الكويت استقبال أي فرد بدون لا يتماشى مع شروطها التعجيزية وتلفظه بعيداً عنها، وإذا كان والدك يعمل بالجيش الكويتي ستكون أكثر حظاً، ولك فرصة التقديم إلى - التطبيقي- وربما لا تقبل وفق الأعداد المتقدمة والنسب، وقد تكون نسبتك ٩٠٪؜ وأكثر وتقبل في معاهد التطبيقي مثل التجاري والعلوم الصحية.. إلخ.

وكل هذه الكليات تمنح درجة الدبلوم فقط، فيقبل التطبيقي الطلبة المتفوقين في منح المدير ومنح الوزير والأمر أيضاً يتطلب حظ كبير مع كمية الأعداد المتقدمة والأولوية للمتفوق من البدون والوافدين.

ولأن البدون دوماً ما يعامل معاملة مختلفة، يمنع البدون من حق التحويل إلى كلية- التربية الأساسية- إذا كان في كليات التطبيقي التي تمنح الدبلوم فقط.

صديقتي حنان- والدها يعمل ضمن الجيش الكويتي- حصلت على نسبة ٨٥٪؜ وقبلت في معهد التجاري وأصابتها خيبة أمل حينما حرمت من التحويل إلى التربية.

تقول صديقتي حنان: 

" كنت أحلم أن أكون معلمة بين الأطفال ورغم أنني لم أرتكب أي خطأ لم أقبل ولا يحق لي التحويل، دفنت حلمي كما أفعل دائما، معتادة على الألم."

تجربة أحلام بجامعة الكويت:

تقول أحلام:

‏"في كلّ عام دراسي، يُسدل الستار لتلمع أسماء المقبولين كنجمة في ليلٍ أعتم، يفرح الجميع ويبقى البدون دون الستار، ككومبارس في مسرحية قرر منتجها أن يحرمه من فرحة الاحتفاء مع بقيّة زملائه، وبينما ينشغل الجميع باحتفالاتهم، ينشغل هو بمصيره المجهول وأمل فرحه المؤجل، لم أفهم يومًا لِمَ علينا بصفتنا بدون أن نرتاب حتى في أكثر المواضع ثقة، وأن ننتظر أكثر من المطلوب؟ لماذا يتأخر قبول الطلاب البدون عن الكويتيون وأبناء الكويتيات؟"

 وتضيف أحلام: "أتساءل أحيانًا، ما هو الذنب الذي ارتكبته حتى  قرر المسؤول حرماننا من الإعانة الجامعية، لا يعي حقيقة أننا طلبة كمثل بقية الطلبة وربما نحن في حاجة أكثر وأصعب من الكويتيين في ظل تدني دخل رواتب البدون، تعزّ علينا أنفسنا أن نكون عالة على أهالينا في مرحلة الاستقلال الأولى، وأن نحملّهم من المصاريف ما لا طاقةَ لهم به، تنهشنا أسعار كتب المقررات، فإن لم نوفرها في الأسبوع الأول من الدراسة، علينا أن نختنق بحرج طردنا من قاعة المحاضرة، وتضطر إحدانا إلى استقلال الحافلة الجامعية، التي تصل إلى منزلها في الساعة السادسة صباحًا، وتعيدها في الساعة الرابعة والنصف مساءً، فلا يهم إن كانت أولى محاضراتك في الساعة التاسعة وآخرها في الساعة الواحدة، في كل الأحوال يجب أن تكوني ممتنة للحافلة التي سهّلت عليك في زمن المصاعب، أن تكون بدون يعني أن تكافح في حياتك الجامعية ضعف كفاح الطالب العادي، وأن ينتهي بك الحال فارغ الجيب في آخر الشهر، ممتلئ بالهموم والقهر الذي لا ينفد."

البدون محروم من التعليم الجامعي إلا إذا كان محظوظًا؛ لأن الأمر لا يتوقف على المال والجهد فقط، فمن واقع تجربة عمي مثلًا الذي كان يدرس بالخارج قبل الغزو العراقي، ولكن تشددت الكويت في التسعينات ونهاية الثمانينات مع البدون وكانت هذه أسوأ حقبة على البدون، ولأن عمي يعتبر محظوظًا في ظل وجود جدي صاحب الدخل المرتفع.. ارتحل للدراسة بالخارج بعد أن امتنعت جامعة الكويت عن قبوله، ودرس أربع سنوات بالطب بعد أن عانى ما عانى حتى يستخرج جواز سفر!

توفي عمي الأكبر بالغزو العراقي وعاد عمي من الخارج إلى أرض الوطن، وبعد عدة شهور انتهى جواز عمي.. حاول عمي وجدي قدر المستطاع تجديد - الجواز- للعودة وإكمال الدراسة في الخارج! إلا أن مؤسسات البلاد رفضت. وذهبت أربع سنوات من الجهد والأموال أدراج الرياح.

يُخلق الفرد البدون وأحلامه على أبواب الأمل تموت بين ثنايا الوجع، ويعافر من أجل حقه الطبيعي ويعود يتعثر بالألم رغماً عنه! ولن أشرح مرارة الموقف على قلب عمي، جرمه الوحيد -بدون- لا يملك حق الدراسة حتى على حسابه الشخصي!

وحتى لا ننسى الآن وجود الجامعات الخاصة شكل فرق شاسع مع البدون، في السابق كان وجود الجامعات الخاصة قليل جداً وربما معدوم، والآن تكاثرت الجامعات الخاصة، لكن للأسف جامعات ربحية بالدرجة الأولى تطلب مصاريف لا يقدر عليها - الفرد الكويتي- فكيف بالفرد البدون صاحب الدخل المنخفض، بعض الجامعات تعطي منح للبدون للمتفوق فقط، وبعضها تخفض له من قيمة الرسوم في حال كان متفوق واستمر بالتفوق، وتشترط الجامعات الخاصة وجود بطاقة صالحة وهذا عادة يعتبر العائق الأكبر.

لكن البدون في عراك مع الحياة إما ننتصر عليها أو تقتلنا هي، لا استسلام.

يبقى الأب في حالة قلق، تبيع الأم كل ما لديها، يتدين الأب، يحاول تجميع مصاريف الجامعة، يحاول بكل الطرق استكمال تعليم الأبناء وعدم قتل طموحاتهم.

مرة يحاول في البلاد ومرة خارج البلاد. وكلها مصاريف هائلة!

يتجه الأفراد البدون عادة إلى الجامعة العربية المفتوحة لأنها الأقل تكاليف بالنسبة إلى باقي الجامعات الخاصة، ولكن يبقى البدون محصورًا في ثلاث تخصصات لا غير إذ أن الجامعة العربية المفتوحة تُدرس في الوقت الحالي ثلاث تخصصات لا أكثر، لذلك حتى بعد دراسة الجامعة يبقى في حالة انفصال عن المجتمع؛ لأنه رغم تحمل تكاليف الجامعة دوماً ما يختار تخصصًا لا يرغب به! ولأن الجامعات الأخرى يصعب تحمل تكاليفها، يختار شهادة يسند عليها حتى وإن لم تحقق له شيء من أحلامه.

المعضلة ليست فقط بالمصاريف، وإنما كسرة الأمل تكون حين انتهاء البطاقة فيمتنع الجهاز المركزي عن تجديدها، هنا لا أموال تستطيع إسعافك، حيث أن الجامعات الخاصة والحكومية كلها لا تقبل بتسجيلك للتعليم وبطاقتك منتهية، وحتى إن كنت تدرس لديهم، فتواكب وأنت تعلم أن شهادتك ستبقى لديهم وتتعارك من أجل الحصول على حقك الذي دفعت عليه أموالًا وبذلت الجهد فيه!

ولا يخفى عليكم حتى وإن أخذت شهادتك، لا فائدة منها، فلا مكان في الكويت يوظف شخصًا لا يحمل بطاقة.

هنا الفرد البدون يُهدم البيت فوق رأسه، والشباب من النساء والرجال معرضون للاكتئاب، حيث الجهد معلق. وديون الأب لا فائدة منها ولا يستطيع أبداً تعويض والديه.

وحتى لا ننسى الكارثة التي تواجه تعليم نساء البدون وآثارها على حياتهن، حيث تجهض أحلامهن  في ظل غلاء الجامعات وفرص الدراسة بالخارج الضائعة .

القليل من نساء البدون من تواكب تعليمها الجامعي، والأقل تواكب تعليمها في الخارج!

المرأة البدون تجهض الحياة وتكملها مجبرة، فهذه المرأة البدون تفضل ابتلاع ما يجول في خاطرها من أجل أسرتها، في وجود هذا التواطؤ على حياتها.

الجهل شبح يركض خلف الإنسان. لكن الآن في وجود الإنترنت ما عاد هناك جهل، فيستطيع الجميع مواكبة التعليم الذاتي، لكني أشير إلى شهادة حقيقية يسند عليها المرء!

يؤدي هذا الحرمان إلى زيادة نسبة الجهل والبطالة في مجتمع البدون نظراً لهذا التمييز، فما هي الآثار المترتبة على هذا الحرمان؟

الآثار الاجتماعية:

تهديد الترابط الأسري: في ظل انعدام التعليم أو تراجع مستويات التعليم يتعذر على الذكور ذوي المستويات التعليمية المتدنية في الغالب تأمين الحصول على وظيفة أو راتب مستقر بما فيه الكفاية لدعم أسرهم، وقد يثبطهم هذا الأمر عن التفكير في الزواج (أوتور وواسيرمان، 2013)، وفي حال الزواج براتب متدني يضطر الأب إلى العمل في عملين مما يؤدي إلى غياب الأب عن البيت وحرمان الأطفال من والدهم.

ارتكاب الجرائم: قد تبين من خلال دراسة مستويات التحصيل التعليمي لدى الذكور في السجون أن التعليم هو أحد العوامل المهمة التي تحمي من الوقوع في الجريمة والتعرض للسجن. فعلى سبيل المثال، أفادت تقارير مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العدالة أن % 67 من المحتجزين في سجون الولايات المتحدة، و % 56 من المحتجزين في السجون الفيدرالية، % 69 في السجون المحلية، لم يكملوا تعليمهم الثانوي. (هارلو ، 2003). وتشير الدراسات أيضا إلى أن التعليم يقلل من احتمالات انخراط الذكور في الأنشطة الإجرامية ويحد من تعرضهم للسجن (لوكتر وموريتي، 2003). وعلاوة على ذلك، يسهم تعليم السجناء أثناء قضائهم لفترات العقوبة في تقليل فرص عودتهم إلى ارتكاب الجرائم مرة أخرى (قان فيزين، 2017).

سوء التغذية ومشاكل صحية: يُحرم الأطفال والشباب من فرص النمو والتطور، ويفرض على أولياء الأمور عملية تعليم الأطفال في المنزل، وقد يواجهون صعوبة في أداء هذه المهمة بسبب انخفاض مستوى تعليم الوالدين وغياب الوالد عن المنزل للعمل.

العزلة الاجتماعية: لأن المدرسة هي مركز التفاعل الأول للطفل، يبقى الطفل في انعزال عن الأطفال في ذات العمر لقلة التواصل والتفاعل. مما يؤدي إلى انخفاض مستوى الثقة بالنفس، وانخفاض الاعتماد على النفس، وقلة وعي الأفراد بحقوقهم وواجباتهم، وقلة اتساع دائرة التفكير والنقد، بما يؤثّر على الصحّة الإنجابيّة بشكل خاص بسبب عدم الوعي بالصحّة الجنسيّة والإنجاب. إضافة إلى أن العالم الآن يتجه إلى التعلم عن بعد والتكنلوجيا مما يصعب على غير المتعلم التعامل مع التكنلوجيا بما يؤثر على حياة الأفراد البدون سلباً ولا يكفي أن يتعلم القراءة والكتابة حتى يتعامل مع التكنولوجيا الحديثة.

 أما على الصعيد الاقتصادي والدولي:

التعليم يساهم بشكل كبير في نهضة المجتمع بشكل عام والعائلة بشكل خاص، مما يجعل المجتمع الذي يحتوي على فئة كبيرة معدومة التعليم أو منخفضة التعليم تنتمي إلى المجتمعات النامية وتراجع الدولة بشكل كبير والاستعانة بالوافدين من جميع الدول، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على وظيفة، وصعوبة التواصل مع الناس وهذا يشكل أزمة كبيرة في مجالات التوظيف والتسويق وخدمة العملاء. يؤدي سوء التعليم إلى الوصول إلى خط الفقر، حيث العائلات التي لا تملك شهادات تلجأ إلى الأعمال الحرة والتجارة، لكن في تدني مستوى دخل البدون لا يملك رأس مال، فهنا يكون معرض لخط الفقر والهلاك، إذاً فالتعليم يؤثر بشكل كبير على البطالة مما يؤثر سلباً على الدولة ويؤدي إلى تراجعها بكل المجالات. بالإضافة إلى انخفاض مستوى الإنتاجية، وانخفاض مستوى الدخل وعدم الاستقرار والأمان، والعمل ضمن وظائف محدودة وسهل الاستغناء عنه.

سياسياً:

عدم المقدرة على المطالبة بالحقوق بسبب ضعف التعليم والتواصل، وانخفاض مستوى المشاركة بسبب صعوبة فهم جميع القضايا، وضعف اللغة لديهم مما يمنعهم من التواصل مع العالم الغربي وطرح الآراء، حيث يساهم التعليم في جعل الفرد ديمقراطيًا أكثر، ويتقبل الآراء ولديه قدرة عالية على التعامل مع الأمور بسياسة، منخرط بالمجتمع أكثر.


أما ما هي الآثار المترتبة على النساء بشكل خاص؟

تواجه النساء صعوبة في المجتمع وصعوبة حتى في الخروج إلى الطبيب إذا كانت أمية لا تستطيع أن تدبر أمورها وحدها ولا بد من وجود أحد برفقتها، وإذا كانت حاصلة على شهادة الثانوية العامة تقدم على كل الوظائف ولكن تكون أكثر عرضة إلى الاستغلال والابتزاز، ويتعرضن حتى إلى التحرش في العمل نظراً لقصور شهادتها وضعفها بالدولة يتم ابتزازها بالعمل، والتعرض لنقاط ضعفهن حيث هذه المرأة لا تملك حتى شهادة تسند عليها، وحتى في الزواج تكون الأضعف فعادة يلجأ الرجل الكويتي صاحب السوابق أو غير المتعلم في ظروف قاهرة إلى امرأة بدون غير متعلمة كحل أخير له بعد أن رُفض من النساء الكويتيات، ومن آثار عدم التعليم النفسية الأشد كارثة على النساء أن المرأة غير متعلمة لا تستطيع الاستقلال في حال كانت تحت سطوة عائلة لا ترحم، ولا الاعتماد على نفسها ولا تكوين حياة.


الآثار المترتبة على الرجال:

يواجه الرجل غير المتعلم كارثة في سلم الوظائف فعادة يلجأ إلى وظائف تتراوح رواتبها من ١٥٠ إلى ٢٠٠ دينار، فيعمل حارس أو مندوب. وهذه الرواتب لا توفر حياة للإنسان فتجد الرجل البدون يمتنع عن الزواج وتكوين أسرة له.. وحتى إذا حقق تعليمه إلى الثانوية العامة لا تشكل فارق كبير على حياته وهنا يكون الرجل مقهور معرض إلى الانتحار وإنهاء حياته أو الانخراط في الأعمال غير الشرعية حتى يستطيع إعالة نفسه وأسرته بعد أن أغلقت كل الأبواب في وجوه الرجال البدون.


الآثار المترتبة على الأطفال:

يكون الأطفال معرضين إلى العمل بالشارع والعمل بالشارع يؤدي إلى الموت كما في حادثة جراح وهو يبيع الورد، فبعد أن حُرم من استكمال تعليمه كان مصيره الموت!

إلى الجهل، إلى الاستغلال من الشارع، إلى التحرش الجنسي واللفظي بالشارع، إلى عدم الانسجام بالمجتمع بسهولة، إلى أمراض نفسية قد تؤدي إلى الأعمال الخطيرة، الانتحار أو الموت.

يولد المرء البدون وهو في حالة صراع، فحتى لو واكب تعليمه بعد كل هذه الحروب، يعاني بالتوظيف.

هنا الفرد البدون يتحمل ما لا يتحمل الجبل من أجل لقمة العيش، فلا شهادة تسعف مجتمع البدون ولا منصب يستطيع الوصول إليه ما دام- بدون-!

البدون متهم بجريمة الولادة.

موضوع التعليم، موضوع شائك لا يختصر في أحرف قاصرة.


* صورة المقال تصميم هادي

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد