dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
البدون في زمن الميديا – بشاير العبد الله

البدون في زمن الميديا – بشاير العبد الله

كما نعلم جميعا ولا يخفى على أحد أن للإعلام أهمية كبيرة جدا في تحييد الرأي العام وتغيير اتجاهه وفق ما تريده السلطة التي تحاول استمالة الشعب نحو قراراتها وتزيينها لتقبلها حتى تصبح مع مرور الزمن أمورا مسلّمة لا يمكن التشكيك فيها، وهذا ما يحدث في قضية البدون، إن توظيف بعض الأسماء لبث بعض الأمور والأخبار الكاذبة والملفقة في شأن القضية سياسة ممنهجة ليست وليدة اللحظة، بل هي سلاح مستخدم منذ عقود وكان له أكبر الأثر في تغيير خارطة الحقائق وتزييف الوقائع عبر التاريخ لما تراه الحكومات وتريده أن يكون! ولا عليهم سوى نشر هذه الأفكار من خلال بعض الشخصيات المؤثرة أو بعض الموظفين الذين يعملون في الخفاء تطبيقا لمقولة "اكذب حتى يصدقوك".
 
إن كل ما يحدث إشارة واضحة على إفلاس تام للجهة التي ترى في البدون عدوا يريد مزاحمتهم على الامتيازات التي يرونها حقا صريحا لهم وحدهم دون غيرهم، وهو الطمع الذي يتمكن من الإنسان حتى يعمي بصيرته عن النظر في حقوق الآخرين المسلوبة منهم وإنصافهم، وإذ لا يمكن توجيه الاتهام في ما يحدث إلى جهة واحدة باعتبارها المسؤولة عن معاناة البدون، فالجميع بلا استثناء شريك بشكل أو بآخر، الصامت عن هذا الانتهاك في سلب الحقوق، المردّد لما يُقال له من أكاذيب دون بحث وتدقيق ومحاولة معرفة جذور المشكلة الممتدة لعقود طويلة هو ذاته شريك في هذا الظلم، كل حالات الانتحار التي يخرج بعدها المفتي ليصرح بحرمة قتل النفس رغم علمه بمدى الظلم الذي يلحق بهم وهو في الحياة ولم يتحرك حتى بتصريح يقف بجانب الحق راحة لضمير على أقل تقدير، هؤلاء وغيرهم الكثيرين الذين يرون في قضية البدون ورقة رابحة للتكسب السياسي والاقتصادي، وحتى بعض مدعي الإنسانية الذين يرون في هذه القضية أرضا خصبة للظهور فوق جراح ومعاناة آلاف من البشر يرزحون تحت وطأة الظلم في بيوت من صفيح لا يفصل بينهم وبين من يشاركونهم الوطن سوى شارع واحد وأميال من الظلم والقهر والمعاناة المتمثلة في شباب تُقتل أحلامهم قبل أن تولد، ويعيش عمره وهو أسير ماضٍ لا دخل له فيه ومسلوب حاضر بائس، ومستقبل ضائع لا يعرف له شكل، ويظل طوال شبابه يحمل همّ الوظيفة قبل أن يتخرج هذا إن تم قبوله بشروط تعجيزية وحتى بعد أن يدخل يظل يفكر في كيفية تسلمه شهادة التخرج دون الضغط عليه للاعتراف بأنه ينتمي لبلاد أخرى لا يعرف عنها شيئا!، وفي هذه الابتزاز تختفي كل معالم العدل حين يقايض الإنسان للحصول على أبسط حقوقه من شهادة الميلاد إلى شهادة الوفاة بعد الاعتراف بالانتماء لدولة هي نفسها لا تعترف به ولا يمكن لهذا الاعتراف إلا أن يزيد من معاناته وتشتته في هذا العالم.

نعلم أن الانتحار ليس حلا، ولا نؤيد الوصول إليه ولا نتمنى أن يصل أي إنسان لهذا اليأس الذي يجعل حياته رخيصة لديه حتى يضع حدا لها بهذا الشكل وهو في مقتبل العمر، ولكن أنت أيها المفتي اعلم أن الدين لا يُجزأ كما لا تُجزأ الإنسانية ولا يمكن أن يحيا الإنسان حياة طبيعية بعالم مليء بالتناقضات حول وجوده وحياته وكيانه، ولا تكن سببا في استمرار الظلم عبر تأييده والتبرير له، ولا صامتا كصمت القبور عما يحدث!.

الجهاز الذي يجند كل رخيص لمهاجمة المظلومين البدون والذي لم يضع أي خطة نحو إيجاد حل للقضية وإيقاف معاناتهم سوى الضغط بأبشع الطرق التي عرفها التاريخ الاستبدادي العنصري القمعي لن يكون سوى وسيلة لتعقيد القضية حتى يضيع الحق، ولا يمنح المظلومين سوى البحث عن ما يعيلهم في الحياة، ويزخر التاريخ بأمثلة لأنظمة استبدادية وجدت في تجويع الشعب وإفقاره وسيلة لإلهائه عن المطالبة بحقوقه، وما يحدث خلف جدران ذلك الجهاز النازي وعلى مسمع ومرأى العالم، ما هو إلا فكر مصغر لدولة استبدادية همها أن يرزح الشعب "شعب البدون" تحت رحمته هو فقط دون ترك فرصة للتفكير بغير الخلاص من شرَك الجهاز وألاعيبه، إذ تتحول الفكرة من: كيف أسترد حقي؟ إلى: كيف أدبر معيشتي وأطفالي؟!

يبقى الأمل مرهون برفع وعي الشعب حول كل هذه المخططات العنصرية المتجهة نحو تمييع القضية المستحقة والتعريف بكل حيثياتها لأن الحقيقة وحدها باقية في هذا العالم الفاني. 

صورة المقال: تصوير هديل بوقريص

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد