dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
البدون في مواجهة خطاب الكراهية.. أنت متهم حتى وإن ثبتت براءتك - جاسم محمد الشمري

البدون في مواجهة خطاب الكراهية.. أنت متهم حتى وإن ثبتت براءتك - جاسم محمد الشمري

هل تتحمل الكويت كلفة ارتفاع نبرة الكراهية ضد البدون ونتائجها المتوقعة؟ 
أجيال تولد تحت وطأة الإقصاء والتهميش والتعنيف المجتمعي.. أي مستقبل ننتظر؟

بعد مرور عشرين عامًا على إغلاق لجان منح الجنسية، وجدت الحكومة الكويتية نفسها أمام معضلة كبيرة تتمثل في وجود عدد كبير من السكان دون هوية إذ ليسوا من حملة الجنسية الكويتية وليسوا مواطنين لدول أخرى، والمفارقة هنا أن الحكومات المتعاقبة تعاملت معهم باعتبارهم مواطنين طيلة عقدين من الزمان ثم استيقظت من غفلتها لتجد أنهم مشكلة تتطلب حلًا.

وبحسب الأرقام المنشورة فإن عدد البدون في العام 1970، أي بعد أربع سنوات من إغلاق لجان الجنسية، كان بحدود 39 ألفًا، وإن سلمنا جدلًا أن متوسط عدد أفراد الأسرة في الكويت هو خمسة أفراد فإن معنى ذلك أن هذا العدد كان يمثل 7800 أسرة وإن وضعنا فرضية أن كل أسرة من هؤلاء كان لها ابنان فقط من الذكور المؤهلين لتكويت أسر جديدة فإن معدله بعد عشرين عاما من ذلك التاريخ سيكون 15600 أسرة جديدة على أقل تقدير ليصبح العدد الإجمالي لهم نحو 80 ألف فرد في العام 1990 ولكن البيانات حينها تقول إن العدد وصل إلى أكثر من مئتي ألف ما جعله منفذًا كبيرًا للطعن في صحة الادعاء بأن هؤلاء لا يحملون مواطنة من إحدى دول الجوار، واستطرادًا كان هذا الادعاء- الذي تحول إلى لائحة اتهام لاحقًا- مدخلًا حقيقيًا لحالة من الكراهية التي تولدت في المجتمع لفئة البدون، وهي الكراهية التي أنتجت فيما بعد سياسات إقصائية موغلة في توحشها تجاه المنتمين لهذه الفئة، الأمر الذي دفع بعضًا منهم إلى خيارات قاسية أبرزها الرحيل عن الوطن أو الانتحار أو شراء جوازات وهمية للخلاص من نظرة العداء المجتمعي لهم.

ولعل رد جهة رسمية معنية بشؤون هؤلاء أخيرًا على ندوة بحثت أوضاع تعليمهم والإشارة إلى أن ذلك يشوه صورة الدولة واحتفاء عدد من المواطنين به مدعاة للقول بأن خطاب كراهية يتأسس في الدولة تجاه شريحة تمثل ما لا يقل عن عُشر عدد السكان.

وبحسب مختصين فإن مصطلح خطاب الكراهية هو أي تعبير عن الكراهية التمييزية تجاه الأشخاص على أساس جانب معيّن من هويتهم. والكراهية التمييزية شعور قوي وغير عقلاني بالعداوة تجاه شخص أو مجموعة من الناس بسبب هويتهم، على أساس ميزة خاصة معترف بها في القانون الدولي لحقوق الإنسان. والخطاب هو أي شكل من أشكال التعبير عن فكرة أو رأي أمام جمهور على نحو خطي أو غير لفظي أو مرئي أو فني وما إلى ذلك ويمكن نشره عبر وسائل الإعلام المختلفة.

ويمكن لخطاب الكراهية أن يشكّل خطرًا على وجه خاص حين يسعى إلى تحريض الناس على العنف تجاه مجموعات مهمشة، وهو كذلك حتى في أشكاله الأقل حدّة، مثل حالات الشتم المتكرر أو الافتراء أو الصور النمطية المؤذية التي قد تنشئ بيئات مشحونة بالحقد وتؤدي إلى تداعيات سلبية. وخطاب الكراهية قد يشعر من يعاني منه بأن كرامته مهانة باستمرار وهذا قد يلحق نوعًا من الأذى النفسي به ويساهم في تعزيز نطاق تهميش الفريق المستهدف اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا.

وعلى مدى أكثر من 30 عامًا عزلت السلطة فئة البدون عزلًا اجتماعيًا ومعيشيًا تحول في مرحلة لاحقة إلى ما يمكن أن يكون نواة لخطاب الكراهية هذا خاصة بعدما عمدت مجاميع ضغط إلى تداول معلومات شخصية عن أفراد من البدون مدعين حملهم وثائق من دول أخرى أو وجود صلة قرابة لهم فيها أو حتى التندر بالأسماء التي يحملونها باعتبارها لا تمت للبيئة المحلية بصلة وفق ادعائهم. وعليه، فإنه وعلى الرغم من أن خطاب الكراهية ليس له تعريف قانوني متعارف عليه دوليًا ويتم التعامل معه على أنه عبارة فضفاضة قد تستخدم لتوصيف أي عبارة تمييزية تنفي إنسانية الآخرين أو تحرّض على إلحاق الأذى بهم، ورغم ما ينص عليه القانون الدولي لحقوق الانسان من أنه لا يمكن الحد من حرية التعبير فقط لأنه مهين أو جارح للمشاعر حتى لو كان التعبير تمييزيًا ومليئا بالكراهية، فإن ذلك لا يمنع مطلقًا حث الحكومات على الحد من ذلك التعبير حين يصبح خطيرًا بشكل واضح وحين لا يمكن منع حصول أضرار جسيمة إلا بالحد منه. 

وفي حين أن الكويت أقرت قانونًا للوحدة الوطنية إلا أنه لم ينشر مطلقا أن طُبق هذا القانون للحد من الخطاب التمييزي ضد البدون، ربما لأنها من ترعى هذا الخطاب التمييزي ضمن حملتها للتضييق عليهم في إطار سياسة ترمي إلى تحميلهم عبء البحث عن مخرج دون أن تتحمل هي كلفة هذه المشكلة التي خلقتها إما بسوء إدارة أو بسوء سريرة.

الإذعان إلى الاعتراف بوجود مشكلة أمر محمود، إلا أن المذموم أن يُتعامل مع هذه المشكلة من منطلق إساءة الظن بالآخر، وعلى عكس مقرراتها التي صاغتها بعد 15 اجتماعًا في المجلس الأعلى للتخطيط لتخرج الحكومة بتقرير يحمل المبادئ والمرتكزات لمعالجة القضية والتي تمثلت بأحد عشر مبدأ أبرزها  العدالة في معالجة الحالات، وذلك بالنظر فـي إمكانيـة تجنـيس المسـتوفين للشروط ومحاسبة ومواجهة المخالفين والمزورين وتوفير وسـائل الحيـاة الكريمـة لهـذه الفئـة باسـتمرار تقـديم الخـدمات الأساســية كــالعلاج والتعلــيم وغيرهــا تأكيــدًا علــى الالتــزام بمبــادئ ومعايير المحافظة على حقوق الإنسان، وإعطاء أهمية للبعد التاريخي وزمن التواجد في البلاد، لما لذلك من دور في تعزيز الاندماج في المجتمع، إلا أن أيا من هذه المعايير لم يطبق بعدما أسندت مهمة معالجة الملف إلى الجهاز المركزي لعلاج أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية ولعل أول مثالب هذا الانحراف عن المعايير والمبادئ إطلاق هذه التسمية عليهم وهو ما يعني ابتداء إسباغ تهمة مخالفة القانون بحقهم؛ ما يخرج الملف برمته من البحث عن معالجة إلى إعداد لائحة اتهام وهو المسار الذي انتهجته الجهات المختصة حينما بدأت عملها متسلحة بإيمان لا يطاله شك أن جل هؤلاء ليسوا مواطنين وعليه فإنه من الأولى البحث عن جذور لهم هنا وهناك وربطهم بها، غير أن الأخطر من هذا وذاك أن وضعت هذه الفئة في خانة الاستعداء ولتبدأ مجاميع الضغط السياسي والاجتماعي حملة تأليب ضدهم وهو ما نطلق عليه خطاب الكراهية الذي ولد فعليًا خلال السنوات العشرة الماضية واستتبع ذلك إجراءات تعسفية طالت كثيرين، كان أقساها التضييق عليهم في مورد رزقهم إذ خسر كثيرون وظائفهم بسبب عدم تجاوبهم مع ما يوضع لهم من جنسيات لا يحملون وثائق دامغة تثبت انتماءهم إليها.

وضمن تداعيات هذا الخطاب التحريضي، أستذكر مغردًا كتب مستغربًا شكوى البدون من وقف بطاقاتهم الائتمانية في البنوك مبررًا أنه كمواطن يتعرض لموقف كهذا حال عدم تجديد بطاقته المدنية إلا أنه تجاهل عدم تعرضه كمواطن للإرغام على القبول بوضع قانوني معين لتسيير أموره الحياتية البسيطة. 
القانون الدولي لحقوق الإنسان يشير بشكلٍ خاص إلى تصنيفات معيّنة من خطابات الكراهية الحادة التي يجب على الحكومات منعها، ويشمل الخطاب الذي يروّج بشكلٍ فاعل للكراهية التمييزية بطريقة تحرّض الناس على ارتكاب الأذية بحق المجموعة المستهدفة، لمجرد انتمائهم لهوية معينة، وهذا النوع من الأذية قد يأتي على شكل عنف أو تمييز أو أي فعل عدائي آخر... فأي مستقبل ننتظر بعدما بات خطاب الكراهية مفصليًا في تناول أبعاد هذا الملف الشائك؟

صورة المقال: تصوير الناشطة هديل بوقريص

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد