dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢

"حسرة وظيفية" - حلم

تجاوزت جميع أسئلة المقابلة بجهد لا يذكر، شارفت على الوصول، إلى أن باغتني موظف الموارد البشرية بسؤاله: "ما الذي يجعل من معلمة سكرتيرة، ما هذا التحول الجذري آنسة حلم؟" منتظرًا مني إجابة رائعة كسابقاتها، لكن أي روعة تكمن في رحم المعاناة؟ تمنيت لحظتها لو أحظى بمهارة مشابهة لمهارات المدلّسين والفاسدين في إخفاء حقيقة عدالة قضيتنا، لكني لم أستطع الكذب، أنا واضحة، صريحة، على عكس كل هؤلاء الساسة. استجمعت قواي المتهالكة وأجبته: تقاعس الحكومة.
انتهت المقابلة ومضيت أجر أذيال الخيبة ورائي، ركبت السيارة فخرج صوته وهو يحاول مداراة حزنه عليّ "لا بأس، ربما في المرة القادمة حبيبتي" أومأت برأسي لأبي دون أن أنبس بكلمة، فكان هذا الرفض الخامس والأربعون على التوالي.

ظللت أردد كلمات الشاعر هيثم الصبيحاوي في نفسي طوال الطريق: "احنا مو أحياء، احنا قتلونا، قتلونا من زمان"، ترى هل قصدوه حينما وضعوا لي "قرينًا" في بطاقتي الأمنية؟ طبعًا، ومن غيره أعرف في العراق؟ إذًا هم ليسوا بمزورين، بل إنهم يحاولون مطابقة جراحنا! الشاعر الذي اختلطت لوعتي بلوعته، وتشابهت آلامنا، اجتهد هيثم وحصل على خمس شهادات، ظنًّا منه أنه سيلقى تقديرًا مناسبًا لإنجازه هذا، ليجد نفسه يعمل "كحمّال" في نهاية المطاف، وتخرجت أنا بامتياز مع مرتبة الشرف بدرجة البكالوريوس، ظنًا مني أن وزارة التربية ستحتضنني كما تحتضن زميلاتي في التخصص وتمنحهن حبًا غير مشروط، لكنّها أدخلتهن وتركتني خارجًا، قرعت الباب حتى "كلّ متني": أدخليني أرجوك، هنالك خطأ ما، أنا الأولى على تخصصي، كيف لكِ أن ترفضيني من بينهن؟ أولست الأكثر كفاءة؟ لم تكلمني، بل صرخت بي "اذهبي للحصول على موافقة من (الجائر) المركزي وإلا لا تزعجيني". 

اتجهت إلى ذلك الجائر، وقبل أن أترجل من السيارة تأملته، تأملت تلك الأسلاك الشائكة، فلمحت عليها تساؤلات طفل حرم من مدرسته، واحتراق فتاة لحلمها الجامعي، وحاجة شاب لنزول راتبه المنقطع من شهور، كانت مشاعرنا عالقة بتلك الأسلاك، لتزيد الطاغي طغيانًا، وحزننا أحزانًا. تأملت الداخلين إليه والخارجين منه، شيوخنا، شبابنا، وأطفالنا..  يّاااااه! وكأننا عائلة كبيرة توارثت الحرمان والخذلان من جينات الأجداد، جميعنا نصطّف عند بائع الآيس كريم رغبة في شراء الماء علّه يطفئ حريق صدورنا المشتعلة.

شددت أزري ونزلت، كنت أحدّث الموظف وهو غير مبالٍ بما أقول، سردت له قصّتي كاملة، أنا ابنة لعسكري حالي وأسير سابق شارك في حروب، من حملة إحصاء 65، أي إنني استوفيت جميع شروطكم المطلوبة، في كل شهر تخرجون لي بورقة فآتيكم بها، جميع الأوراق اللازمة موجودة الآن، فما المانع من تعييني؟ رفع رأسه وهو ينظر لي باستعلاءٍ كريه:
- قدمي ورقة تسريح جدكِ من الجيش.
- جدّي؟ وما علاقة جدي بتوظيفي أنا!
- هذه هي المتطلبات أختي، قدميها وإلا فلن تنالي ما تريدين.

خرجت من ظلم الجائر بحثًا عن عدالة القطاعات الخاصّة، آملة أن أجد قبولًا يليق بي، فرأيت حقيقتها المرّة عن كثب؛ لم تأبه القطاعات الخاصة الراقية بمؤهلاتي، بل إنها قد صرفت النظر عن توظيفي حالما رأت خانة الجنسية بحجة اتباع "سياسة التكويت" ولم تأبه القطاعات الخاصة الدنيئة بمؤهلاتي، بل إنها ساومتني على راتب يساوي إعانة الطالب الجامعي. كنت أفتش كثيرًا دون جدوى، كمن يبحث عن نور وسط ثقبٍ أسود. 

تجرعت أكيال الرفض التي اصطفّت أمامي، كلما هزمني اليأس ذكرت نفسي بذاك الحلم المنتظر الذي أراه بعيدًا عن أيدي السفاحين، حلم الحصول على درجة الماجستير من جامعة الكويت، إلى أن قرأت شرط الحصول على جوازٍ سارٍ، فتم إعدام حلمي على مرأى ومسمع من مراجعي مبنى الجنسية والجوازات. 

لم يعلم موظف الموارد البشرية أن هذا الرفض قد أطفأ آخر قنديل أشعلته لإضاءة زوايا روحي، ولم يعلم والدي بأنّهُ "القشّة التي كسرت ظهر البعير" أو ظهر ابنته بالأصح، ربما لو عرف الموظف لما رفضني، ولو عرف والدي لم يواسني.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد